فهرس الكتاب

الصفحة 8579 من 19127

يبدو أن ثقافة الاختلاف، وتعدد الثقافة شائعة وممارسة إلى درجة عالية في عهود سلف الأمة الصالح وَفق ما نطقت به أقوالهم والقصص السابقة، وأن التنوع الثقافي كان ظاهرة من الظواهر الفكرية في مجتمعهم التي لا يمكن إخفاؤها، وأن الثقافة العامة التي تمثل اتجاه جمهور العلماء وعليها غالب الناس لم تكن الوحيدة في المجتمع؛ وإنما هناك ثقافات محلية تختلف سعتها، ويتباين عدد أتباعها هي ثقافة مدارس واتجاهات فكرية موجودة وقائمة، وأن العلاقة بينها كانت علاقة حوار، وتغافر، واعتذار؛ لا علاقة عداوة، وبغض، وكراهية، فعلماؤها كانوا يراعون الألفة، والعصمة، وأخوة الدين وإن اختلفوا في القضايا العلمية العَقَديَّة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [52، ج24، ص172] ، ومن الأمثلة على ذلك اعتذار شيخ الإسلام ابن تيمية لشيوخ أهل التصوف الذي حسُن ذكرهم، وثبت إيمانهم، فقال:"لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتاً غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاده" [59، ج1، ص265] . وإنكاره ذم المجتهد وتأثيمه؛ إذ يقول:"ومن عُلِم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإن الله غفر له خطأه" [52، ج28، ص234] . مما يجعل مسلك الاقتصار على المذهب السائد متشدِّداً؛ لما في ذلك من تنكُّر للتراث الإسلامي الذي يعترف بالثقافات المختلفة، والمذاهب المتنوعة، ولسير العلماء، ومفكري الأمة الذين كانوا يتعاملون مع مخالفيهم على أساس الحق والعدل، ويراعون في ذلك تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، ويجتنبون كل ما يفضي إلى الكراهة والعداوة.

الثقافة الوطنية و (العولمة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت