فهرس الكتاب

الصفحة 8607 من 19127

وما ذلك إلا أن تعاليم الإسلام، قد جاءت لمداخل الجريمة بتعليمات تسد منافذها، فالأموال والأعراض والنفوس هي وسائل يطمع بواسطتها بعض الناس للتعدي على بعض، والتسلط عدواناً وبغياً، رغبة في الاستئثار أو التكبر أو الظلم، فجاء تنظيم مداخلها ومخارجها في شرع الله الذي شرع لعباده، ورسم المنهج الذي يجب أن تلتزم به النفس المعتدلة، حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى لا يتسلط قوي على ضعيف، رحمة من الله بعباده، وإحساناً منه إليهم. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الحدود صادرة عن رحمة الخلق، وإرادة الإحسان إليهم... وينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم، أن يقصد بذلك الإحسان إليهم.. والرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض" [34] .

فالقسوة هنا ليست ظلماً ولكنها عدل ورأفة لأن الأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.

ذلك أن الأموال التي هي محك النفوس، ومنزلة الترابط والتآخي في المجتمع، قد تولى الله جل وعلا تقسيمها بين الناس، وأبان مداخلها الشرعية: من ميراث وغنيمة ومصرف زكاة، وبيع وشراء، ومداينة وصداق للنساء، وهبات وغير ذلك.. فكان الحق واضحاً، ومداخل الاعتداء فيها بيّنة، وعليها تشفق النفوس: طمعاً وخوفاً، وزكاة للنفوس، تبرز بالحرص عليها أداء، وتنقية من أمانات وحقوق، ووقاية النفس منها، تعدياً واستضعافاً، فكان الحلال منها بيّناً وواضحاً أثره في العمل والعلامات عليه في الأعمال التعبدية متميزة بالدليل العقلي والنقلي.

والحرام منها فيه علامات تميزه أيضاً، وتوضيحات تقطع الحجة على كل متقوّل، كما نجد في مثل هذا النص الكريم الذي قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم: لمن سأله بأن يدعو الله له بأن يكون مستجاب الدعوة: (( أطلب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ) )رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لحم نبت من السحت فالنار أولى به ) )رواه الدارمي في مسنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت