وجاء رجل فوقع في علي وعمار -رضي الله عنهما- عند عائشة، فقالت: أمّا علي فلست قائلة فيه شيئاً، أما عمار فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"لا يخير بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما" [4] .
وعلى الجهة الأخرى خطب عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكُفّهم عن الخروج مع أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقال: والله إنها لزوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، ولكن الله -تبارك وتعالي- ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي [5] .
قال ابن هبيرة -في هذا الحديث-:"إن عماراً كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومةُ إلى أن ينقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من حرب" [6] .
وهذا علي -رضي الله عنه- وقف بين القتلى يوم الجمل، فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحَّم عليه ويقول: يعز علي أن أرى قريشاً صرعى .
وقد مرَّ -على ما ذكر- على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول، فقال: لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر [7]
وليس الأمر مختصاً بذلك الجيل، بل شواهدُه في كتب التراجم والتواريخ أكثرُ من أن تحصر.
وقد آثرتُ التقديم مذكراً بهذه الأخلاق لظني بأن عقلاء المختلفين من أهل السنة لا يرون أن الخلاف بينهم قد بلغ مبلغاً يدعو لحمل السيف في مواجهة المخالف، وهؤلاء بعضُ صَدْرهم وأسوتهم بلغ بهم الخلاف حداً رأى بعضُهم معه أن التقويمَ بالسيف شرٌّ لا بد منه، ومع ذلك تأمَّلْ كيف كان رأيُهم في بعضهم.
قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله:"ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه هو ظلم نفسه، وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق، يتبعون الرسول فلا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه..." [8] .