سارت طلائع الصليبيين يتقدَّمُها بطرسُ الناسكُ، ثم أُردفت بأربعة جيوش ضخمة لا يعلم عَدَدَهَا إلا الله تعالى، وصفها بعضهم فقال:"كانت الجيوش الصليبية عبارة عن شعب كامل يسير" [10] ، فلمَّا دخلوا القسطنطينية للعبور إلى الشرق فزع أهل القسطنطينية من كثرتهم حتى قالت ابنة إمبراطورها آنذاك:"يخيل لي أن أوربا اقتلعت من أصولها" [11] .
وأعجزت كثرتهم أي جيش أن يقف أمامهم، وما توقَّفوا إلا في بيت المقدس، وأعملوا القتل في أهله، واستولَوْا عليه، وذلك في ضُحَى الجُمُعَةِ لِسَبْعَةِ أيام بقيت على رمضان من سنة ثنتين وتسعين وأربعمئة للهجرة [12] ، واهتزَّ المسلمون لهذه الفاجعة العظيمة، وبكوْا بكاءً مرًّا، وخطب الخطباء، وَتَرَاسَلَ الأُمَراء، واجتمع العلماء؛ لكن الضعف والفرقة قد عمِلَتْ عَمَلَهَا في المسلمين فما استطاعوا عمل شيء. ورفعت الصلبان في الأرض المباركة، واستباحها همج أوروبا، ومنعوا المسلمين من إقامة شعائرهم فيها، أوِ الصلاة في المسجد الأقصى، وكان ذلك أمرًا عسيرًا على أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - وكانت تلك نتيجة تضييع أوامر الله - تعالى - إذ سلَّط الله عليهم عدوّهم، ووكلهم إلى أنفسهم، ومن وكل إلى نفسه عجز، ومن وكل إلى الخلق ضيعوه، ومن توكل على الله كفاه..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشُّورى: 30] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين..