أما بعد: فاتقوا الله - تعالى - واستجْلِبُوا النصر باتباع أمره، واجتناب نهيه، وتعظيم شعائره، ونصرة إخوانكم المستضعفين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
أيها المسلمون: لقد كانت الدوافع الدينية عند قادة الحملاتِ الصليبية ومسعريها قوية جدًّا، وهي التي أججوا بها مشاعر العامَّة في مختلف أرجاء أوروبا حتى خرجوا بقضهم وقضيضهم، واصطحبوا نساءهم وأولادهم للاستيطان في الشرق الإسلامي. ولا أدل على هذه الحماسة الدينية من المقولة التي أطلقها البابا أوربان أمام ملوك أوروبا حينما قال:"إنَّ تعريض حياتي للخَطَرِ في سبيل تخليص الأماكن المقدسة، لأفضلُ عندي من حكم العالم كله" [13] .
ومن أجل هذا الهدف توحَّدت أوروبا المتفرقة، وتحالف ملوكها المتخالفون؛ لأن هدف الحملة كان مقدسًا عند جميعهم.
لقد كانت الحملاتُ الصليبية التي تتباعت على الشرق الإسلامي قرنين من الزمان، وصمة عار عيّر بها المنصفون من كُتَّاب أوربة بني جنسهم ومِلَّتهم، فما عرفت الرحمةُ إلى قلوبهم سبيلاً في المدن التي استولوا عليها؛ فهذا قس من قساوستهم كان حاضرًا معهم، كتب في مذكراته ما شاهده من أفعالهم فقال:"وشاهدنا أشياء عجيبة؛ إذ قُطِعَتْ رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرُهم رميًا بالسهام، أو أرغموا على أن يُلْقُوا أنفسهم من فوق الأبراج، وظَلَّ بعضُهُمُ الآخر يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا بالنار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل" [14] .