وما ظفر العرب بفلسطين إلا على أنقاض الدولة العثمانية بعد أن عملت جمعياتهم عملها في المسلمين، ففرقتهم ومزقتهم، وأبدلت انتماءهم إلى القوميات العرقية بدل انتمائهم إلى دينهم، فاستبدل ملاحدة الترك القومية التركية الطورانية بدل الدين، كما استبدل ملاحدة العرب القومية العربية بدل دينهم، فقسمت الأمة الواحدة إلى عرب وترك، ثم إلى قوميات أخرى متفرقة، وقسمت بلدانهم إلى دول شتى، ففرقتهم العصبيات الجاهلية وقد جمعهم الإسلام.
وفي أخريات القرن الماضي زادوا التفرق تفرقا باختلافهم في التحالف مع القوتين العظميين؛ فدول منهم أعلنت ولاءها للمعسكر الإلحادي الشيوعي الشرقي، ودول أخرى انضمت إلى المعسكر الإلحادي الليبرالي الغربي، واشتدت العداوات بينهم في سبيل تلك التحالفات التي لم تكن في صالحهم، وسعرت حروب في بلدانهم تستنزف أموالهم، وتدمر عمرانهم، وتهلك شعوبهم، ليس لهم فيه نصر، وهزيمتها عليهم، فنصرهم فيها للدول العظمى التي تحركهم.
ثم لما استفاقوا بعد خسارتهم للعديد من الحروب مع اليهود، وانتهاء الحرب الباردة، وبدل أن يجتمعوا على رابطة الإسلام وقد تجرعوا غصص التفرق عقودا متتابعة؛ عادوا مرة أخرى إلى تفرق جديد باسم الوطنية والقطرية، وصار دعاة القومية بالأمس يلعنونها اليوم، ويسخرون من رفاق الأمس، ويهزئون بشعاراتهم، ويدعون إلى الانكفاء على الأوطان، وعدم الاهتمام بالآخرين مهما كانت حاجتهم إلينا، ولو كانوا إخوة لنا.