فهرس الكتاب

الصفحة 1049 من 2877

وكان الأمير عزيز الدولة أبو شجاع فاتك بن عبد الله أمير حلب يطلب منه أن يصنف له تصانيف ويحترمه ويرفع رتبته ويقبل شفاعته، وقدم إليه إلى معرة النعمان. وقد أشرنا في الفصل المتضمن ذكر مصنفاته إلى شيء من ذلك. وكذلك أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري أمير حلب ودمشق كان يثني على أبي العلاء ويخفي المسألة عنه ويوجه إليه بالسلام، فعمل له كتاب شرف السيف.

وأخبرني بهاء الدين أبو إسحق إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد قال: أخبرني أبي قال: أخبرني جدي أبو المجد محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله قال: كان ظهر بمعرة النعمان منكر في زمان صالح بن مرداس، فعمد شيوخ البلد إلى إنكار ذلك المنكر، فأفضى إلى أن قتلوا الضامن بها وأهرقوا الخمر وحافوا، فجمعهم إلى حلب واعتقلهم بها، وكان فيهم بعض بني سليمان، فجاء الجماعة إلى الشيخ أبي العلاء وقالوا له: إن الأمر قد عظم وليس له غيرك، فسار إلى حلب ليشفع فيهم، فدخل إلى بين يدي صالح ولم يعرفه صالح ثم قال له: السلام عليك أيها الأمير، الأمير أبقاه الله كالسيف القاطع لان وسطه وخشن جانباه، وكالنهار الماتع قاظ وسطه وطاب جانباه {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجََاهِلِينَ} فقال له: أنت أبو العلاء؟ فقال: أنا ذاك، فرفعه إلى جانبه وقضى شغله وأطلق له من كان من المحبّسين من أهل المعرة، فعمل فيه قال:

قال لي أبي: قال لي جدي: وأنشدها أبو العلاء لنفسه:

ولما مضى العمر إلا الأقلّ ... وحان لروحي فراق الجسد

بعثت رسولا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد

فيسمع مني هديل الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق ... فكم نفّقت محنة ما كسد

كذا ذكر لي بهاء الدين أبو إسحق أنه سار إلى حلب، وما أظن أن أبا العلاء بعد رجوعه إلى معرة النعمان من بغداد خرج عن المعرة، ولهذا سمى نفسه رهن المحبسين.

وقد قرأت هذه الحكاية في تاريخ سيّره إليّ بعض الهاشميين بحلب لأبي غالب همام بن الفضل بن جعفر بن المهذب قال: سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها صاحت امرأة في الجامع يوم الجمعة يعني بمعرة النعمان، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر

كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ وهدموا الماخور وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في نواحي صيدا. ثم قال في هذا التاريخ: سنة ثمان عشرة وأربعمائة: فيها وصل الأمير أسد الدولة صالح بن مرداس إلى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأماثلها، فاعتقل سبعون رجلا في محبس الحصن سبعين يوما، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وإنما غلب تاذرس على رأيه، وكان يوهمه أنه يقيم عليهم الهيبة. ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المهذب وأبا المجد يعني أخا أبي العلاء بسبب ماخور، فما أفعل. وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميّافارقين، وقطع عليهم ألف دينار، واستدعى الشيخ أبا العلاء بن عبد الله بن سليمان رحمه الله بظاهر معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له أبو العلاء: مولانا الأمير السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لأن صفحه وخشن حداه {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجََاهِلِينَ} فقال صالح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت