فهرس الكتاب

الصفحة 1050 من 2877

وقد قرأت هذه الحكاية في تاريخ سيّره إليّ بعض الهاشميين بحلب لأبي غالب همام بن الفضل بن جعفر بن المهذب قال: سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها صاحت امرأة في الجامع يوم الجمعة يعني بمعرة النعمان، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر

كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ وهدموا الماخور وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في نواحي صيدا. ثم قال في هذا التاريخ: سنة ثمان عشرة وأربعمائة: فيها وصل الأمير أسد الدولة صالح بن مرداس إلى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأماثلها، فاعتقل سبعون رجلا في محبس الحصن سبعين يوما، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وإنما غلب تاذرس على رأيه، وكان يوهمه أنه يقيم عليهم الهيبة. ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المهذب وأبا المجد يعني أخا أبي العلاء بسبب ماخور، فما أفعل. وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميّافارقين، وقطع عليهم ألف دينار، واستدعى الشيخ أبا العلاء بن عبد الله بن سليمان رحمه الله بظاهر معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له أبو العلاء: مولانا الأمير السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لأن صفحه وخشن حداه {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجََاهِلِينَ} فقال صالح:

قد وهبتهم لك أيها الشيخ، ولم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قطع عليهم، وإلا كان قد سأل فيه. ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا:

تغيبت في منزلي برهة ... ستير العيوب فقيد الحسد

فلما مضى العمر إلا الأقلّ ... وحمّ لروحي فراق الجسد

بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد

فيسمع مني سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق ... فكم نفّقت محنة ما كسد

وقد ذكر بعض الرواة أن صالحا قال له عند ما أنشده هذا الشعر: نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد.

وهذا تاذرس المشار إليه في هذه الحكاية هو تاذرس بن الحسن النصراني، وكان وزير صالح بن مرداس وصاحب السيف والقلم، وكان متمكنا عنده، وكان في نفسه من أهل المعرة شيء لأنهم قتلوا حماه الخوري، وكان يؤذيهم فتتتبع قتلته وصلبهم وقتلهم، فلما أنزلوا عن الخشب ليصلى عليهم ويدفنوا قال الناس حينئذ يكايدون النصارى: قد رأينا عليهم طيورا بيضا، وما هي إلا الملائكة. فبلغت هذه الكلمة تاذرس فنقمها على أهل المعرة واعتدّها ذنبا لهم، فلما اتفقت هذه الواقعة من نهب الماخور شدد تاذرس عليهم لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت