أظنوا أنهم بانوا ... وهم في القلب سكان
تولى النوم إذا ولّوا ... وكان العيش إذ كانوا
أناديهم وقد حثوا ... ودمع العين هتّان
أحب البعد أحباب ... وخان العهد إخوان
وقالوا شفّك الدهر ... وهم للدهر أعوان
ويحيا المرء إذا راعت ... هـ أسياف وخرصان
ولا يحيا إذا راعت ... هـ أحداق وأجفان
وأغيد فاتك الألحا ... ظ صاح وهو نشوان
وريان من الحسن ... إلى الأنفس ظمآن
إذا لاح فما البدر ... وإن ماس فما البان
قال: وأنشدني لنفسه:
خلوت بمن أهواه بعد تفرّق ... بأرض أبي صوب الندى أن يصوبها
فكان عويلي رعدها وابتسامه ... وميضا وأهواء القلوب جنوبها
وجاد غمام من دموعي لروضها ... فضوّع أنفاس الخزامى وطيبها
وقرّب مني الدهر حبا رجوته ... وأبعدت الأيام عني رقيبها
تواصله كالبدر أبدى صيانة ... وإعراضه كالشمس أبدت غروبها
غدوت أمنّي بعد وصل لقاءه ... إذا نفس محزون تمنت حبيبها
وكنا نرى الأيام قدما تعيبنا ... فما بالنا صرنا الغداة نعيبها
قال: وأنشدني أبي لنفسه:
هلال بدا نقصي لفرط تمامه ... وحتفي دنا من لحظه لا حسامه
إذا ما ادلهمّ الليل من لام صدغه ... أبى الصبح حثا من بروق ابتسامه
تكاد تقوم النائحات بشجوها ... عليّ إذا عاينت حسن قوامه
فأضعف عن ردّ الكلام لسائل ... إذا صدّعني مانعا لكلامه
سقاني وقال الخمر أودت بلبه ... وسكري من عينيه لا من مدامه
وطال عذابي إذ فنيت لشقوتي ... بمن ليس يرضاني غلام غلامه
ظلوم رشفت الظّلم من فيه لاهجا ... به ولقيت البدر تحت لثامه
قال: وأنشدني أبي لنفسه:
أبى زمني أن تستقر بي الدار ... وأقسم لا تقضى لنفسي أوطار
أخلّاي كيف العذل والدهر حاكم ... وكيف دنوّي والمقدّر أقدار
فما غبتم عن ناظري فيراكم ... ولم ينسكم قلبي فيحدث تذكار
لئن عفتم نصري إذا حلّ حادث ... فلي من دموعي في الحوادث أنصار
وإن غربت شمس النهار فمنكم ... شموس بقلبي لا تغيب وأقمار
ولي فرق باد ذا ما تفرّقوا ... ولي مدمع جار ما هم جاروا
وتوجد نفسي حين تلقي عصا النوى ... وتفقد إن شدّت على العيس أكوار
وإن يك إقلالا تواصل كتبكم ... ففي حسراتي نحوكم لي إكثار
وماء شؤوني طار عن نار مهجتي ... فمن مخبري (1) هل يجمع الماء والنار
نحولي شهيد عن حنيني إليكم ... وإن حضر الأشهاد لم يغن إنكار
لحدّ حسام الدهر فيّ مضارب ... بدت ولذاك الإثر في القلب آثار
تفاني عن الأوطان ما لم أبح به ... فصرت كفعل ظاهر فيه إضمار
وكنت كغصن بات يمنع ريّه ... وقد رويت حولي من الماء أشجار
فقلت ألا إن الممات بغربة ... لأفضل عند الضيم والناس أطوار
وعرضت من صحبي أناسا بهم غدا ... يبعّد ذو فضل ويعبد دينار
فعندهم ذو الفضل من فاق طمره ... ترى عند حسن القول تنطق أطيار
وأعسر داء للفتى في حياته ... قتير بدا في العارضين وإقتار
وكم نالت الخسران عند طلابها ... بصائر في كسب الحظوظ وأبصار
فإن يغلط الدهر استعدت وصالكم ... وإلا فكيف الوصل والدهر غدّار
وإن دار شكوت إليكم ... صروفا وإلا فالقبور لنا دار
وأنشدني أبو محمد قال: أنشدني أبي يرثي صبيا: