أبى زمني أن تستقر بي الدار ... وأقسم لا تقضى لنفسي أوطار
أخلّاي كيف العذل والدهر حاكم ... وكيف دنوّي والمقدّر أقدار
فما غبتم عن ناظري فيراكم ... ولم ينسكم قلبي فيحدث تذكار
لئن عفتم نصري إذا حلّ حادث ... فلي من دموعي في الحوادث أنصار
وإن غربت شمس النهار فمنكم ... شموس بقلبي لا تغيب وأقمار
ولي فرق باد ذا ما تفرّقوا ... ولي مدمع جار ما هم جاروا
وتوجد نفسي حين تلقي عصا النوى ... وتفقد إن شدّت على العيس أكوار
وإن يك إقلالا تواصل كتبكم ... ففي حسراتي نحوكم لي إكثار
وماء شؤوني طار عن نار مهجتي ... فمن مخبري [1] هل يجمع الماء والنار
نحولي شهيد عن حنيني إليكم ... وإن حضر الأشهاد لم يغن إنكار
لحدّ حسام الدهر فيّ مضارب ... بدت ولذاك الإثر في القلب آثار
تفاني عن الأوطان ما لم أبح به ... فصرت كفعل ظاهر فيه إضمار
وكنت كغصن بات يمنع ريّه ... وقد رويت حولي من الماء أشجار
فقلت ألا إن الممات بغربة ... لأفضل عند الضيم والناس أطوار
وعرضت من صحبي أناسا بهم غدا ... يبعّد ذو فضل ويعبد دينار
فعندهم ذو الفضل من فاق طمره ... ترى عند حسن القول تنطق أطيار
وأعسر داء للفتى في حياته ... قتير بدا في العارضين وإقتار
وكم نالت الخسران عند طلابها ... بصائر في كسب الحظوظ وأبصار
فإن يغلط الدهر استعدت وصالكم ... وإلا فكيف الوصل والدهر غدّار
وإن دار شكوت إليكم ... صروفا وإلا فالقبور لنا دار
وأنشدني أبو محمد قال: أنشدني أبي يرثي صبيا:
أضرمت نيرانا بغير زناد ... فبدا تأججها على الأكباد
وأتى الطبيب فما شفى لك غلة ... ولطالما قد كنت تشفي الصادي
قد كان لي عين وكنت سوادها ... فاليوم لي عين بغير سواد
قال عبد الصمد بن أبي الفرج: توفي والدي أبو الفرج في آخر شوال سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بحلب اهـ (ابن عساكر) .
وذكره السيوطي في «بغية الوعاة» وقال: إنه تردد إلى دمشق وأقرأ بها النحو، وكان حاذقا فيه، شرح ديوان المتنبي. ومن شعره:
طال فكري في جهول ... وضميري فيه حائر
يستفيد القول مني ... وهو في زيّ مناظر
(1) في الأصل: مجيري، ولعل الصواب ما أثبتناه.