وقال غيره: إنه قرأ الفقه علي أبي البركات عبد الله بن الشيرجي المذكور فقيه الموصل، وكان عالما زاهدا متقشفا، وتوفي سنة أربع وسبعين بالموصل، ثم اشتغل بالخلاف على الضياء بن أبي حازم صاحب محمد بن يحيى الشهيد النيسابوري، ثم باحث في الخلاف متفنني أصحابه كالفخر التوقاني والبروي والعماد التوقاني والسيف الخواري والعماد الميانجي، ثم انحدر إلى بغداد بعد التأهل التام ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها معيدا بعد وصوله إليها بقليل، وأقام معيدا نحو أربع سنين، والمدرس بها يوم ذاك أبو نصر أحمد ابن عبد الله بن محمد الشاشي، ثم أصعد إلى الموصل في سنة تسع وستين فترتب مدرسا في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري ولازم الاشتغال
وانتفع به، وله كتاب سماه «ملجأ الحكام عند التباس الأحكام» ذكر في أوائله أنه حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار بيت المقدس والخليل عليه السلام بعد الحج والزيارة للرسول صلّى الله عليه وسلم، ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب، فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين، فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على جبل عرفات لأمر يطول شرحه، فلما دخل عليه ذكر أنه قابله بالإكرام التام، وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه، فأخرج له جزءا جمع فيه أذكار البخاري وأنه قرأه عليه بنفسه، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقال له: السلطان يقول لك: إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود فعرّفنا بذلك فلنا إليك مهم، فأجابه بالسمع والطاعة، فلما عاد عرّفه بوصوله فاستدعاه وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد [1] وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة، فخرج إليه واجتمع به بقيعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه وقال: إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها.
ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف.
ولما توفي صلاح الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض، فكتب الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق يطلبه منه، فأجابه إلى ذلك، فأرسله الظاهر إلى مصر لاستخلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن صلاح الدين، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك، فلما عاد من هذه الرسالة كان القاضي بحلب قد مات فعرض عليه فأجاب. هكذا ذكره في كتاب «ملجأ الحكام» .
(1) قال فانديك في كتابه «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» في صحيفة 90: كتاب أحكام الجهاد النبوي لبهاء الدين بن شداد طبع في لندن سنة 1755م باعتناء العلامة سولتنز. اهـ.