فهرس الكتاب

الصفحة 1356 من 2877

العقد كأنه يقرأ من حفظه. وأما خطه في التجويد والتحرير والضبط والتقييد فسواد مقلة لأبي عبد الله بن مقلة، وبدر ذو كمال عند علي بن هلال.

خلال الفضل في الأمجاد فوضى ... ولكن الكمال لها كمال

وإذا كان التمام من خصائص عالم الغيب، وكان الإنسان لابد له من عيب، فعيبه لطالب العنت والشين، أنه يخاف عليه من إصابته العين، هذا مع العفاف والزمت، والوقار وحسن السمت، والجلال المشهور، عند الخاص والجمهور.

قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... ولداته عن ذاك في أشغال

سألته أدام الله علوه عن مولده فقال لي: ولدت في ذي الحجة سنة 588. قال:

فلما بلغت سبعة أعوام حصلت إلى المكتب فأقعدت بين يدي المعلم، فأخذ يمثل لي كما يمثل للأطفال، ويمد خطا ويرتب عليه ثلاث سينات، فأخذت القلم وكنت قد رأيته وقد كتب «بسم» ومد مدته، ففعلت كما فعل، وجاء ما كتبته قريبا من خطه، فتعجب المعلم فقال لمن حوله: لئن عاش هذا الطفل لا يكون في العالم أكتب منه. وصحت لعمري فراسة المعلم فيه فهو أكتب من كل من تقدمه بعد ابن البواب بلاشك.

وقال: وختمت القرآن ولي تسع سنين، وقرأت بالعشر ولي عشر سنين، وحبب إليّ الخط وجعل والدي يحضني عليه. فحدثني الشيخ يوسف بن علي بن زيد الزهري المغربي الأديب معلم ولده بحضرة كمال الدين قال: حدثني والدي هذا (وأشار إليه) قال:

ولد لي عدة بنات وكبرن ولم يولد لي غير ولد واحد ذكر، وكان غاية في الحسن والجمال والفطنة والذكاء، وحفظ من القرآن قدرا صالحا وعمره خمس سنين، واتفق أن كنت يوما جالسا في غرفة لنا مشرفة على الطريق، فمرت بنا جنازة فاطلع ذلك الطفل ببصره نحوها ثم رفع رأسه إليّ وقال: يا أبت، إذا أنا مت بم تغشي تابوتي؟ فزجرته وأدركني في الوقت استشعار شديد عليه، فلم يمض إلا أيام حتى مرض ودرج إلى رحمة الله ولحق بربه، فأصابني عليه ما لم يصب والدا على ولده، وامتنعت عن الطعام والشراب وجلست في بيت مظلم وتصبرت فلم أعط عليه صبرا، فحملني شدة الوله على قصد قبره وتوليت حفره بنفسي وأردت استخراجه والتشفي برؤيته، فلمشيئة الله ولطفه بالطفل أوبي لئلا أرى به ما أكره صادفت حجرا ضخما وعالجته فامتنع عليّ قلعه، مع قوة وأيد كنت

معروفا بهما، فلما رأيت امتناع الحجر عليّ علمت أنه شفقة من الله على الطفل أو عليّ، فزجرت نفسي ورجعت ولهان بعد أن أعدت قبره إلى حاله التي كان عليها، فرأيت بعد ذلك في النوم ذلك الطفل وهو يقول: يا أبتاه عرّف والدتي أني أريد أجيء إليكم، فانتبهت مرعوبا وعرفت والدته ذلك، فبكينا وترحمنا واسترجعنا. ثم إني رأيت في النوم كأن نورا خرج من ذكري حتى أشرف على جميع دورنا ومحلتنا وعلا علوا كبيرا، فانتبهت وأوّلت ذلك فقيل لي: أبشر بمولود يعلو قدره ويعظم أمره ويشيع بين الأنام ذكره بمقدار ما رأيت من النور، فابتهلت إلى الله عز وجل ودعوته وشكرته وقويت نفسي بعد الإياس لأني كنت قد جاوزت الأربعين، فلم تمض إلا هنيهة حتى اشتملت والدة ولدي هذا (وأشار إلى كمال الدين أيده الله) على حمل وجاءت به في التاريخ المقدم ذكره، فلم يكن بقلبي بحلاوة ذلك الأول لأنه كان نحيفا جدا، فجعل كلما كبر نبل جسما وقدرا، ودعوت له عدة دعوات وسألت الله له عدة سؤالات، ورأيت فيه والحمد لله أكثرها. ولقد قال له رجل يوما بحضرتي كما يقول الناس: أراكه الله قاضيا كما كان آباؤه، فقال: ما أريد له ذلك، ولكني أشتهيه أن يكون مدرسا، فبلغه الله ذلك بعد موته، وسمع الحديث على جماعة من أهل حلب والواردين إليها، وأكثر السماع على الشيخ الشريف افتخار الدين عبد المطلب الهاشمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت