ولد لي عدة بنات وكبرن ولم يولد لي غير ولد واحد ذكر، وكان غاية في الحسن والجمال والفطنة والذكاء، وحفظ من القرآن قدرا صالحا وعمره خمس سنين، واتفق أن كنت يوما جالسا في غرفة لنا مشرفة على الطريق، فمرت بنا جنازة فاطلع ذلك الطفل ببصره نحوها ثم رفع رأسه إليّ وقال: يا أبت، إذا أنا مت بم تغشي تابوتي؟ فزجرته وأدركني في الوقت استشعار شديد عليه، فلم يمض إلا أيام حتى مرض ودرج إلى رحمة الله ولحق بربه، فأصابني عليه ما لم يصب والدا على ولده، وامتنعت عن الطعام والشراب وجلست في بيت مظلم وتصبرت فلم أعط عليه صبرا، فحملني شدة الوله على قصد قبره وتوليت حفره بنفسي وأردت استخراجه والتشفي برؤيته، فلمشيئة الله ولطفه بالطفل أوبي لئلا أرى به ما أكره صادفت حجرا ضخما وعالجته فامتنع عليّ قلعه، مع قوة وأيد كنت
معروفا بهما، فلما رأيت امتناع الحجر عليّ علمت أنه شفقة من الله على الطفل أو عليّ، فزجرت نفسي ورجعت ولهان بعد أن أعدت قبره إلى حاله التي كان عليها، فرأيت بعد ذلك في النوم ذلك الطفل وهو يقول: يا أبتاه عرّف والدتي أني أريد أجيء إليكم، فانتبهت مرعوبا وعرفت والدته ذلك، فبكينا وترحمنا واسترجعنا. ثم إني رأيت في النوم كأن نورا خرج من ذكري حتى أشرف على جميع دورنا ومحلتنا وعلا علوا كبيرا، فانتبهت وأوّلت ذلك فقيل لي: أبشر بمولود يعلو قدره ويعظم أمره ويشيع بين الأنام ذكره بمقدار ما رأيت من النور، فابتهلت إلى الله عز وجل ودعوته وشكرته وقويت نفسي بعد الإياس لأني كنت قد جاوزت الأربعين، فلم تمض إلا هنيهة حتى اشتملت والدة ولدي هذا (وأشار إلى كمال الدين أيده الله) على حمل وجاءت به في التاريخ المقدم ذكره، فلم يكن بقلبي بحلاوة ذلك الأول لأنه كان نحيفا جدا، فجعل كلما كبر نبل جسما وقدرا، ودعوت له عدة دعوات وسألت الله له عدة سؤالات، ورأيت فيه والحمد لله أكثرها. ولقد قال له رجل يوما بحضرتي كما يقول الناس: أراكه الله قاضيا كما كان آباؤه، فقال: ما أريد له ذلك، ولكني أشتهيه أن يكون مدرسا، فبلغه الله ذلك بعد موته، وسمع الحديث على جماعة من أهل حلب والواردين إليها، وأكثر السماع على الشيخ الشريف افتخار الدين عبد المطلب الهاشمي.
ورحل به أبوه إلى البيت المقدس مرتين في سنة 603وفي سنة 608ولقي بها مشايخ وبدمشق أيضا، وقرأ على تاج الدين أبي اليمن في النوبتين كثيرا من مسموعاته.
حدثني كمال الدين أدام الله معاليه قال: قال لي والدي: احفظ اللمع حتى أعطيك كذا وكذا، فحفظته وقرأته على شيخ حلب يومئذ وهو الضياء بن دهن الحصا. ثم قال لي: احفظ القدوري حتى أهب لك كذا وكذا من الدراهم كثيرة أيضا، فحفظته في مدة يسيرة وأنا في خلال ذلك أجود، وكان والدي رحمه الله يحرضني على ذلك ويتولى صقل الكاغد لي بنفسه، فإني لأذكر مرة وقد خرجنا إلى ضيعة لنا فأمرني بالتجويد، قلت: ليس هاهنا كاغد جيد، فأخذ بنفسه كاغدا كان معنا رديا وتناول شربة أسفيدز كانت معنا فجعل يصقل بها الكاغد بيده ويقول لي: اكتب، ولم يكن خطه بالجيد، وإنما كان يعرف أصول الخط، فكان يقول لي: هذا جيد وهذا رديء. وكان عنده خط ابن البواب فكان يريني أصوله إلى أن أتقنت منه ما أردت. ولم أكتب على أحد مشهور،
إلا أن تاج الدين محمد بن أحمد بن البرفطي البغدادي ورد إلينا إلى حلب فكتبت عليه أياما قلائل لم يحصل منه فيها طائل. ثم إن الوالد رحمه الله خطب لي وزوجني بقوم من أعيان أهل حلب وساق إليهم ما جرت العادة بتقدمته في مثل ذلك، ثم جرى بيننا وبينهم ما كرهته وضيق صدري منهم، فوهب لهم الوالد جميع ما كان ساقه إليه وطلقتهم. ثم إنه وصلني بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن العجمي، وهو شيخ أصحاب الشافعي وأعظم أهل حلب منزلة وقدرا ومالا وحالا وجاها، وساق إليهم المهر وبالغ في الإحسان.