حدثني كمال الدين أدام الله معاليه قال: قال لي والدي: احفظ اللمع حتى أعطيك كذا وكذا، فحفظته وقرأته على شيخ حلب يومئذ وهو الضياء بن دهن الحصا. ثم قال لي: احفظ القدوري حتى أهب لك كذا وكذا من الدراهم كثيرة أيضا، فحفظته في مدة يسيرة وأنا في خلال ذلك أجود، وكان والدي رحمه الله يحرضني على ذلك ويتولى صقل الكاغد لي بنفسه، فإني لأذكر مرة وقد خرجنا إلى ضيعة لنا فأمرني بالتجويد، قلت: ليس هاهنا كاغد جيد، فأخذ بنفسه كاغدا كان معنا رديا وتناول شربة أسفيدز كانت معنا فجعل يصقل بها الكاغد بيده ويقول لي: اكتب، ولم يكن خطه بالجيد، وإنما كان يعرف أصول الخط، فكان يقول لي: هذا جيد وهذا رديء. وكان عنده خط ابن البواب فكان يريني أصوله إلى أن أتقنت منه ما أردت. ولم أكتب على أحد مشهور،
إلا أن تاج الدين محمد بن أحمد بن البرفطي البغدادي ورد إلينا إلى حلب فكتبت عليه أياما قلائل لم يحصل منه فيها طائل. ثم إن الوالد رحمه الله خطب لي وزوجني بقوم من أعيان أهل حلب وساق إليهم ما جرت العادة بتقدمته في مثل ذلك، ثم جرى بيننا وبينهم ما كرهته وضيق صدري منهم، فوهب لهم الوالد جميع ما كان ساقه إليه وطلقتهم. ثم إنه وصلني بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن العجمي، وهو شيخ أصحاب الشافعي وأعظم أهل حلب منزلة وقدرا ومالا وحالا وجاها، وساق إليهم المهر وبالغ في الإحسان.
وكان والدي رحمه الله بارا بي، لم يكن يلتذ بشيء من الدنيا التذاذه بالنظر في مصالحي، وكان يقول: أشتهي أرى لك ولدا ذكرا يمشي، فولد أحمد ولدي ورآه وبقي إلى أن كبر ومرض مرضة الموت، فيوم مات مشى الطفل حتى وقع في صدره. ثم مات والدي رحمه الله في الوقت الذي تقدم ذكره.
وكان الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب رحمه الله كثير الإكرام لي، وما حضرت مجلسه قط فما أقبل على أحد إقباله عليّ مع صغر السن. واتفق أن مرضت في شهور سنة 618مرضا أيس مني فيه، فكان يخطر ببالي وأنا مريض أن الله تعالى لابد وأن يمن بالعافية لثقتي بصحة رؤية الوالد، وكنت أقول: ما بلغت بعد مبلغا يكون تفسيرا لتلك الرؤيا إلى أن منّ الله بالعافية وله الحمد والمنة، فذهب عني ذلك الخيال، وليس يخطر منه في هذا الوقت ببالي شيء لأن نعم الله عليّ سابغة وأياديه في حقي شائعة.
قلت (قال في الحاشية: يظهر أن ياقوت جمع بين كلامه وكلام المترجم) : ولما مات والدي بقي بعده مدة ومات مدرس شاذبخت وهي من أجل مدارس حلب وأعيانها [1] ، ولي التدريس بها في ذي الحجة سنة 616وعمره يومئذ 28سنة، هذا وحلب أعمر ما كانت بالعلماء والمشايخ والفضلاء الرواسخ، إلا أنه رؤي أهلا لذلك دون غيره، وتصدر وألقى الدرس بجنان قوي ولسان لوذعي فأبهر العالم وأعجب الناس، وصنف مع هذا السن كتبا منها كتب «الدراري في ذكر الذراري» [2] جمعه للملك الظاهر وقدمه إليه يوم ولد
(1) هي في سوق الضرب وتعرف بجامع الشيخ معروف.
(2) مطبوع في مطبعة الجوائب في الأستانة.