ألا لله درك أي در ... صريح جاء بالكرم الصريح
وعسكرك الذي استولى مسيحا ... على ما بين فامية وسيح
ووقعتك التي بنت العوالي ... صوادر عن قتيل أو جريح
بإنّب يوم أبرزت المذاكي ... من النقع الغزالة في مسوح
غداة كأنما العاصي احمرارا ... من الدم عبرة الجفن القريح
وقد وافاك بالإبرنس حتف ... أتيح له من القدر المتيح
قتلت أشحهم بالنفس إذ لا ... يجود بنفسه غير الشحيح
ملأت بهم ضرائحهم فأمسوا ... وليس سوى القشاعم من ضريح
وعدت إلى ذرا حلب حميدا ... سمو البدر من بعد الجنوح
فإن جليت بغرتك الليالي ... فكم لسناك من زمن مليح
رويدك تسكن الهيجا فواقا ... بحيث تريح من تعب المريح
فأنت وإن أرحت الخيل وقتا ... فهمك غير هم المستريح
وقال أحمد بن منير يمدحه ويذكر ظفره بالبرنس وأصحابه وحمل رأسه إلى حلب، وأنشده إياها أيضا بجسر الحديد:
أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وعلا الهدى وتبلجت قسماته
وانتاش دين محمد محموده ... من بعد ما غلبت دما عبراته
ردّت على الإسلام عصر شبابه ... وثباته من دونه وثباته
أرسى قواعده ومّد عماده ... صعدا وشيد سوره سوراته
وأعاد وجه الحق أبيض ناصعا ... أصلاته وصلاته وصلاته
لما تواكل حزبه وتخاذلت ... أنصاره وتقاصرت خطواته
رفعت لنور الدين نار عزيمة ... رجعت لها عن طبعها ظلماته
ملك مجالس لهوه شدّاته ... ومشوقه بين الصفوف شذاته
تغرى بحثحثة اليراع بنانه ... إن لذ حثحثة الكؤوس لداته
ويروقه ثغر العدى قان دما ... لا الثغر يعبق في لماه لثاته
فصبوحه خمر الطلى وغبوقه ... نطف النفوس تديرها نشواته
فتح تعممت السماء بفخره ... وهفت على أغصانها عذباته
سبغت على الإسلام بيض حجوله ... واختال في أوضاحها جبهاته
وانهل فوق الأبطحين غمامه ... وسرت إلى سكينها نفحاته
لله بلجة ليلة محصت به ... واليوم دبح وشيه ساعاته
حط القوامص فيه بعد قماصها ... ضرب يصلصل في الطلى صعقاته
نبذوا السلاح لضيغم عاداته ... فرس الفوارس والقنا غاياته
لمجرب عمرية غضباته ... لله معتصمية غزواته
تحيا لضيق صفاده أسراؤه ... وتغيض ماء شؤونها نقماته
بين الجبال خواضعا أعناقها ... كالزود نابت عن براه حداته
نشرت على حلب عقود بنودهم ... حلل الربيع تناسقت زهراته
روض جناه لها مكر جياده ... واستوأرت حمالة حملاته
متساندين على الرحال كما انتشى ... شرب أمالت هامه قهواته
لم تثبت الآجام قبل رماحه ... شجرا فروع أصوله ثمراته
فليحمد الإسلام ما جدحت له ... شربات غرس هذه مخباته
وسقى صدى ذاك الحيا صوب الحيا ... خير الثرى ما كنت أنت نباته
نصب السرير ومال عنه ومهدت ... لمقر منصبك السري سراته
ما ضر هذا البدر وهو محلق ... أن الكواكب في الذرى ضراته
في كل يوم تستطيل قناته ... فوق السماء وتعتلي درجاته
وترى كشمس في الضحى آثاره ... مجدا وألسنة الزمان رواته
أين الألى ملؤوا الطروس زخارفا ... عن نزف بحر هذه قطراته
غدقوا بأعناق العواطل ماله ... من جوهر فأتتهم فذاته
لو فصلوا سمطا ببعض فتوحه ... سخرت بما افتعلوا لهم فعلاته
تمسي قنانيه بنات قيونه ... فوق القوانس والقنا قيناته
صلتان من دون الملوك تقرها ... حركاته وتنيمها يقظاته
قعدت بهم عن خطوه هماتهم ... وسمت به عن خطوهم هماته
سكنوا مسجفة الحجال وأسكنت ... زحل الرحال مع السها عزماته
لو لاح للطائي غرة فتحه ... باءت بحمل تأوه باءاته
أو هبّ للطبريّ طيب نسيمه ... لاحتش من تاريخه حشواته
صدم الصليب على صلابة عوده ... فتفرقت أيدي سبا خشباته
وسقى البرنس وقد تبرنس ذلة ... بالروح مما قد جنت غدراته
فانقاد في خطم المنية أنفه ... يوم الخطيم وأقصرت نزواته
ومضى يؤنب تحت إنّب همة ... أمست زوافر غيها زفراته
أسد تبوأ كالغرنف فجاته ... فتبوأت طرف السنان شواته
دون النجوم مغمضا ولطالما ... أغضت وقد كرت لها لحظاته
فجلوته تبكي الأصادق تحته ... بدم إذا ضحكت له شماته
تمشي القناة برأسه وهو الذي ... نظمت مدار النيرين قناته
لو عانق العيوق يوم رفعته ... لأراك شاهد خفضه إخباته
ما انقاد قبلك أنفه بحرامه ... كلا ولا همت لها هدراته
طيان خلف السرح طال زئيره ... نطقت سطاك له فطال صماته
لما بدا مسود رأيك فوقه ... مبيض نصرك نكست راياته
ورأى سيوفك كالصوالج طاوحت ... مثل الكرين فقلصت كثراته
ولى وقد شربت ظباك كماته ... تحت العجاج وأسلمته حماته
ترك الكنائس والكناس لناهب ... بالبيض نهب ما حواه عفاته
غلاب أروع لا يميت عداته ... داء المطال ولا تعيش عداته
والآن ملقى بالعرا يقتاته ... ما كان قبل يصيده يقتاته
اليوم ملّكك القراع قلاعه ... متسنما ما استشرفت شرفاته
وغدا تحل لك الحلائل أسهم ... متوزعات بينهن نباته
أوطأت أطراف السنابك هامه ... فتقاذفت بعنيفها قذفاته
لا زال هذا الملك يشمخ شأنه ... أبدا ويلفت في الحضيض وشاته
ما أخطأتك يد الزمان فدونه ... من شاء فلتسرع إليه هناته
أنت الذي تحلي الحياة حياته ... وتهبّ أرواح القصيد هباته