فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 2877

وبعد: فإن المتسمين بسمة الحدس والذكاء، المقتعدين بهمتهم متون كواكب الجوزاء، قد طرحوا فنون الأدب مطارح الصبا، وفرقوا ما اجتمع عندهم أيادي سبا، وأوسعوها قلى وهجرا، وعدوها فضولا من القول وهجرا، لما أن جفوة الحظ داء شكته الأفاضل من قديم، وعادة معوجة لا تكاد مدة تستقيم، فبينما هو ينظر إليهم بوجه عبوس، ويشن الغارة عليهم بحرب البسوس، إذ لمحهم بمحيا طليق، وحياهم تحية رفيق، وأسارير السرور على غرته طالعة، ولوائح النور على طلعته ساطعة، فسبروا ما استوفاه لسان حاله، وخبروا ما استخفاه من زخارف محاله، فإذا زيفه قد بدله جيدا، وحيفه رمى به مكانا بعيدا، ثم أهداهم بهدية أبناء الأدب، حسناء من نفائس مخبآت العرب، وافت من قبل غوطة الشام، المفتر ثغرها من عرف البشام.

أتذكر يوم تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سقي البشام [1]

فتمتع بمحاسنها أدباء العصر، واجتلوا من لألائها بارق الجبين والثغر، لما أن وضاءتها مقتبسة من سنا بدر المعالي، زينة الأيام والليالي، شمس الزمان ونور حلكه، وجوهر الأوان وقطب فلكه، رأس المعتنين بقواعد الإفتاء والتدريس، وعماد المتصدرين لإشادة الأحكام والتأسيس، أعني به الخليل الجليل، والجهبذ النبيل، منتدى كل حاضر وبادي، ومنهل كل وارد وصادي، من أصبح به بيت المراديّ شامخا إلى السهى، ومكين الأصل والفرع لا بدأ لفضله ولا انتها، قد نظم من ألفاظه الحسنة، وبدائع معانيه المزينة، أبياتا تضمنت اقتباسا لطيفا، وموقعا بحسن الكناية ظريفا، ونسج على منواله بعض أخدانه، وجماعة من خلّص إخوانه. واتفق لبعض إخواننا حضور هذه المجالسة، فأثبتها عنده في ديوانه المراسلة.

ثم لما قدم إلى شهبائنا الساطعة، ونزل بساحتها الواسعة، أتحف بتلك المساجلة الفائقة، والمعارضة اللائقة، جناب الأوحد المحترم، عالي المكارم والشيم، وارث مقام العلم بالاستحقاق التام، وعامر ركن المجد عن آبائه الكرام:

إن السريّ إذا سرى فبنفسه ... وابن السريّ إذا سرى أسراهما

أعني به السيد محمد أفندي قدسي، نور الله بصيرته بالفتح القدسي، فعارض هاتيك

(1) البيت لجرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت