حدثني الشيخ مصطفى النحاس وهو رجل معمر منور أدركته وقد ناهز التسعين من العمر، وقد توفي في حدود سنة 1320، بحكاية لطيفة عن الأستاذ المذكور لا بأس بإيرادها هنا، وكذا سمعتها من الشيخ مصطفى الهلالي من ذرية المترجم، قالا ما معناه:
لما كان الأستاذ الشيخ إبراهيم بمصر صادفه أنه بقي يومين لم يذق طعاما لضيق ما في يده، فخرج من الأزهر وشرع يطوف في شوارع مصر لعل الله يرسل له من يدعوه إلى طعام يسد به رمقه، فدخل بعض الدروب فرأى دارا لها باب كبير، وهو ينادي على صاحبه بلسان حاله: إن صاحب هذه الدار ذو نعمة شاملة وثروة طائلة، فدخل الدار وهي ذات طابقين، فلم يجد في الطابق التحتاني أحدا، فدخل المطبخ فرأى هناك خزانة فيها ألوان من الطعام الفاخر، فكان عامل الجوع يدفعه إلى التناول منه ونفسه الشريفة تأبى أن تتناول طعاما ليس ملكا له ولم يدع إليه، وبقي على ذلك نحو ساعة وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وفي آخر الأمر أغلق الخزانة وخرج ولم يذق من الطعام شيئا، وخرج من الدار قاصدا الأزهر.
أما صاحب الدار فكان قاعدا في بيت في الطابق العلوي، وكان ينظر إليه من النافذة من حين دخوله إلى حين خروجه، ولما أبصر منه ما أبصر فأخذه العجب وعلم أنه لم يدخل ولم يبق هذه المدة في المطبخ إلا لأمر عظيم، وأحب الاستطلاع على كنه هذا الأمر، فاستدعى خادمه وأمره بمناداة الشيخ إليه، ولما حضر سأله عن أمره، فلم يخف عليه شيئا منه، فعظم الشيخ في عينه كثيرا خصوصا بعد ما علم أنه من طلاب الأزهر النابغين، فاستدعى للحال شيخ الأزهر ودعا بعض أصدقائه وعقد نكاح بنته على الشيخ إبراهيم، فبقيت معه مدة طويلة، ولما حضر إلى حلب أحضرها معه وهي أم أولاده الذين ذكرهم الشيخ أبو الوفا الرفاعي في مجموعته.
هذا ما بقي في فكري من هذه الحكاية، لأن بين سماعي لها من الشيخين المذكورين وبين تحريري لها هنا نحو عشرين سنة.
وترجمه تلميذه ومريده الشيخ عمر الطرابيشي في مجموعة له بخطه فقال:
هو الشيخ الإمام العلامة البحر الفهامة، المحقق المدقق، شيخ الإسلام والمسلمين في عصره، وشيخ الفرقة الناجية في زمانه، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والقامع لمن حاد عن جادة الطريقة، الحائز قصبات السبق في تحقيق العلوم الشرعية، وتدقيق الفنون العقلية والنقلية، الفقيه المحدث المفسر الأثري النحوي الأصولي الصوفي النظار القانت الخاشع الأواه، ولي الله بلا نزاع، العارف بالله الداعي إلى الله الدار عزاني مولدا، الأزهري قطنا،
الحلبي قطنا ومدفنا، الإبراهيمي المنير والكوكب المضيء للسائرين، الشافعي مذهبا، القادري والخلوتي طريقة، الرفاعي البدوي مشربا.