كان خالي يفعل كذا أو يقول كذا، أو كان شيخي الشيخ محمود الكردي يقول كذا أو
يفعل كذا، ولا ينسب له حالا ولا قالا.
وكان يحب العزلة عن الولاة فلا يأتي قاضيا ولا حاكما ولا كبيرا إلا عن ضرورة، بل هم يأتونه متبركين بل طالبين لدعائه. وكان إذا طلبت منه مسألة علمية أو دعاء لأحد أو استشارة يجيب على الفور، بل يمهل مقدار درجة أو أكثر أو أقل، ثم يجيب بجواب سديد في غاية من التدقيق والتحقيق، ولا يشير في أمر إلا ويكون فيه الصواب، وإذا خالفه أحد في شيء ندم غاية الندم، بل لا يسع أحد مخالفته.
وكان له أساليب عجيبة في علم السياسة والقيافة والفراسة، فإذا تكلم مع الحكام قادهم إلى الحق بشعرة، أو مع الصوفية بألطف إشارة، ومع العوام والعلماء بأوضح عبارة.
وكان مجلسه وقارا وحياء، وأتباعه إذا جلست حوله كأن الطير على رؤوسهم، وهم معظمون وموقرون في قلوب الناس متبعون للسنة المحمدية مشهورون بالأدب والكمال، فإنه كان مربيا لأخوانه لا يسامحهم في هفواتهم ولا يواجههم بها، بل يعرض بمن وقع في هفوة كما كان صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) فصاحب الهفوة يعلم أنه المراد من بين سائر الحاضرين.
ومرة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في فلاة ناصبا صيوانا وهو يصلي إماما بالناس، فعجلت المشي لإدراك الصلاة معه، فسلم تسليمتين فجئت من على يمينه صلى الله عليه وسلم لأقبل يده الشريفة، فنظرت إلى يدي فرأيت فيها غمرا [1] لا تصلح لأخذ يد الرسول صلى الله عليه وسلم، فأحنيت ظهري وقبلت يده بفمي ولم أمس يدي بيده لما فيها من الغمر، فنظر إليّ صلى الله عليه وسلم وقال: لابد أن الهلالية أهل أدب، فشهد صلى الله عليه وسلم لمن انتسب للهلالية بالأدب، ولم أر أحدا منهم مثلي متضمخا بالأوساخ، وصار منه صلى الله عليه وسلم ما صار فكيف هم. وكانت كراماته تظهر على يده وهو يخفيها.
وقال له مرة أحد الولاة: أريد أن أجعل لك قناقا وحرما، فقال له: نعم الأمير
(1) الغمر: السّهك وريح اللحم وما يعلق باليد من دسمه.