ما هذه الدار للأخيار من دار ... إن كنت تدري فماذا الهم يا داري
واصبر إذا دارت الأيام أو دار ... من عادة الدهر صفو بعد أكدار
فلا تكن فيه في هم وأكدار
إن التغير والتبديل شيمته ... فارتح وكن رجلا طابت سريرته
وإن أصابك من دهر مضرّته ... صبرا فأي امرىء دامت مسرته
وأي دهر تراه غير غدّار
إياك تغترّ والأوقات تصرفها ... إلى المعاصي والأغيار تعرفها
واغرس ثمار التقى والزهد تقطفها ... واترك غرورك بالدنيا فزخرفها
غر الفراش فأرمى النفس في النار
وإن رأيت حقودا في رداك سعى ... وجدّ في البغي والإيذاء واتسعا
فاسمع لقولي وكن للنصح مستمعا ... كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا
يؤذى برجم فيعطي خير أثمار
من رام تصفو له أيامه غلطا ... لا بد لليسر من عسر وإن سخطا
فكن إذا جادت الأيام منبسطا ... واصبر إذا ضقت ذرعا والزمان سطا
لا يحصل اليسر إلا بعد إعسار
فلا تكن في أمور الدهر في هوس ... وفي تهانيه كن منها كمقتبس
وقل لمن رام صفوا غير منعكس ... لم يخل من نكد الأيام ذو نفس
حتى الحجارة في بلوى بنقّار
للموت لا تنس بل كن خائفا حذرا ... واعمل لدار البقا ما دمت منتظرا
وإن ترد منصب السادات والأمرا ... دع التفكر في دنياك محتقرا
عظيم لذاتها تحظى بأسرار
واترك أخا الجهل يسعى في ضلالته ... ولا تجالسه تكسب من رذالته
عليك بالعلم تحظى في جلالته ... إياك والجهل فارغب في إزالته
لابد يغتر من في ظلمة ساري
إن كنت تقبل مني ما أقول تجز ... على صراط قويم والكمال تحز
فزن كلامي بميزان العقول ورز ... لا تصحبنّ سوى ذي الفضل منه تفز
وإن صحبت جهولا فزت بالعار
اسمع كلاما صحيحا غير مشتبه ... مع من أحب يكون المرء فانتبه
فاصحب كريما ظريفا في تأدّبه ... من يصحب البوم يأتي للخراب به
والعطر يكسبه أصحاب عطّار
لا تأس من حاسد آذتك جفوته ... وقد أهاجت بك النيران سطوته
فالعود ألحقه بالطيب حرقته ... وفي امتحان الفتى تبدو فضيلته
لا تعرف الخيل إلا يوم مضمار
كن خائف الله فيما أنت تعلمه ... من راقب عل الله يرحمه
تب توبة من عظيم الجرم تعدمه ... إياك تنسى حقير الذنب تعظمه
من القراريط يأتي كل قنطار
وماء وجهك عن قبح المذلة صن ... ولا تسل من لئيم حاجة فتهن
وإن سئلت فجد مما منحت ومن ... وقم بوسعك في كسب الحلال وكن
في صرفه بين تبذير وإقتار
إياك من مال أوقاف معطّلة ... أو اكتساب بأسباب محرمة
وقل لمن كسبه من مال محكمة ... فلس الحلال ولا دينار مظلمة
شتان ما بين نيران وأنوار
يا ذا الذي همه في القوت أشغله ... عن المعاد وعن زاد يحصله
دع عنك هذا وخذ فيما خلقت له ... على الإله توكل دائما فله
مشيئة في الورى تمضي بأقدار
الرزق يأتيك لا بالجد والحيل ... فارتح وخذ في اكتساب العلم والعمل
واسمع كلامي فإني لست بالجدل ... جربت دهري فما أبقى التجلد لي
شيئا أروم كأني نلت أوطاري
لم يبق شيء عليه لست مطّلعا ... في هذه الدار ما قد قيل أو سمعا
وبعد هذا عصاني الدهر وامتنعا ... وحاربتني الليالي والأنام معا
بأسهم البين حتى قل أنصاري
وخانني بعض من عاشرته وشهد ... بشقوتي قلت صبرا يا زمان فزد
أأختشي من جهول للإله عند ... وقد دهتني أمور لو على الفلك الدّ
وّار تلقى لأضحى غير دوّار
كم لذة ما حظي غيري بأوضعها ... حظيت منها بأعلاها وارفعها
ثم انقضت هل ترى دهري بمرجعها ... والحمد لله في الأحوال أجمعها
والشكر لله في جهر وإسرار
وله تخميس أبيات للشيخ عبد الغني النابلسي في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قال في مطلعه:
يا خير من للسموات العلا عرجا ... وقد رقا فوق كل الأنبياء درجا
على المسرات جيش الضر قد خرجا ... يا أشرف الرسل ضاقت فاسأل الفرجا
فإنني بك قد أضمرت ألف رجا
ومنه:
فأنت أنقذتنا بالنور من ظلم ... وسقتنا لطريق الحق في حكم
فكيف نحصي لما أوليت من نعم ... وأنت فضلتنا قدما على أمم
مضت وعنا رفعت الإثم والحرجا
وكان المترجم يوما في بستان قيصر ومعه الشيخ عبد القادر الحسبي نائب المحكمة الشرعية ونخبة من الفضلاء والأدباء، وقد غنى المغنون، وكانت البلابل تغرد فوق الأغصان، وقد طرب الحاضرون، فارتجل الشيخ عبد القادر أبياتا خاطب بها المترجم مختبرا لقريحته: