فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 2877

فأنت أنقذتنا بالنور من ظلم ... وسقتنا لطريق الحق في حكم

فكيف نحصي لما أوليت من نعم ... وأنت فضلتنا قدما على أمم

مضت وعنا رفعت الإثم والحرجا

وكان المترجم يوما في بستان قيصر ومعه الشيخ عبد القادر الحسبي نائب المحكمة الشرعية ونخبة من الفضلاء والأدباء، وقد غنى المغنون، وكانت البلابل تغرد فوق الأغصان، وقد طرب الحاضرون، فارتجل الشيخ عبد القادر أبياتا خاطب بها المترجم مختبرا لقريحته:

ما للبلابل قد علت أصواتها ... وغدت على أفنانها متصادحه

وتقننت بالصدح فوق رؤوسنا ... من غير أن نومي لهن بجارحه

أتظن أن الصدح منها فوق ما ... يبديه منا من أجاد قرائحه

فأتت تفاخرنا بحسن بيانها ... ويريد كل أن يبين ملائحه

فاكشف لنا هذا الذي قد رابنا ... لازلت وافر كل خير رابحه

فأجابه المترجم ارتجالا:

ما ظنها ذاك التفاخر بل رأت ... منا وجوها في الهوى متناصحه

وغدا البنان مزركشا أوصاف من ... بهواه أفئدة الورى متطافحه

فأتت تساعدنا بنظم مديحه ... وتبث أوصافا لديه راحجه

إذ كل من ذاق الغرام يسره ... ذكر الحبيب ولو طيورا صادحه

هذا الذي قد لاح لي من صدحها ... يا من له عين المعالي طامحه

وكان المترجم جميل الوجه أبيض اللون مشربا بحمرة طلق الوجه حلو المحاضرة قوي الحجة مهابا مقداما ميالا لركوب الخيل واقتنائها، يتعاطى مع التدريس ونشر العلم الزراعة والتجارة، محبا لفعل الخير واصطناع المعروف، متباعدا عن مخالطة الأمراء والحكام محبوبا لديهم، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مدافعا عن وطنه خصوصا في زمن الحكومة المصرية، فإنه كان يجسر على أميرها إبراهيم باشا وينهاه وجنوده عن ارتكاب المظالم واقتراف الآثام.

وقبل دخول إبراهيم باشا المصري إلى هذه الديار وقعت حادثة مهمة كان للمترجم فيها اليد البيضاء على كثير من علماء وأعيان حلب، وذلك أنهم كانوا اجتمعوا ذات ليلة بأمر من السلطان محمود ووقّعوا على فتوى تقضي بأن إبراهيم باشا من أهل البغي، وأنه خارج عن إمام المسلمين محمود بغير حق، وأنه يجب على كل من له قدرة على القتال أن

ينصر الإمام عليه وعلى أتباعه، فبعد دخول إبراهيم باشا إلى حلب ذهب بعض من لا خلاق له وأعلم الباشا بذلك، فألقى القبض على الكثير وحبسهم ممن وقّعوا هذه الفتوى منهم عبد الرحمن أفندي المدرس مفتي الحنفية في حلب، والشيخ محمد أبو الوفا الرفاعي وغيرهم، ثم أرسل إلى المترجم يستفتيه عن حكم جماعة أخذوا يعيثون في الأرض فسادا ويلقون بذور الشقاق بين الأهالي ويحرضونهم على قتال أميرهم القائم بنصرتهم والمنقذ لهم من حكم الأتراك وربقة أسرهم، فاعتذر المترجم وقتئذ وطلب مهلة في إعطاء الجواب إلى حين مراجعة النقول الشرعية في مثل هذه القضية، وفي خلالها هيأ أسباب الرحلة واستناب كلا من أخيه الشيخ أحمد وتلميذه الشيخ محمد الخانطوماني والشيخ أحمد الحجار في دروسه وكفالة عائلته، وحرر الجواب وبيّن فيه أن الفتوى على قدر النص، وأنه لا يسأل عن ذلك لأنهم إنما أفتوا بما اتصل بهم، وأنهم إذا لم يثبتوا خروج إبراهيم باشا على السلطان فإنهم حينئذ يجازون، وأطال في بيان الجواب مستدلا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووضع الجواب في مدرسته في مكان قعوده وسافر ليلا إلى مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت