ما زال يرشف من خمر الطلا قمر ... حتى غدا ثملا ما فيه من رمق
وراح يشربها جنح الدجى عللا ... حتى بدت شفتاه اللعس كالشفق
وقام يخطر والأرداف تقعده ... وخصره ناحل قد زين بالنطق
يا للنهى من عذيري في هوى رشأ ... ظبي نفور يحاكي البدر في الأفق
جذبته لعناقي فانثنى خجلا ... وغض طرفا فوا وجدي ووا حرقي
فضرج الخد بالنعمان من غضب ... وكللت وجنتاه الحمر بالعرق
وقال لي برموز من لواحظه ... يا شيخ أهل الهوى يا شيخ كل تقي
ماذا تقول وقد قال الرواة لنا ... إن العناق حرام قلت في عنقي
وله ديوان حافل اطلعت عليه قد افتتحه باستغاثة بسور القرآن قال في أوائلها:
يا ربنا أنل فؤادي وطره ... بالسورة المذكور فيها البقره
بآل عمران وبالنساء ... اقض مرادي وأنل منائي
بالسورة المذكور فيها المائده ... اخذل عدوي وأزل مكائده
وهي على هذا النمط في ختامها:
افتح لنا يا ربنا بالفاتحه ... واجعل تجاراتي دوما رابحه
وقال رحمه الله مخمّسا البردة الشريفة وسماها «تطريز البردة وتطريد الشدة» ، وقد بدأ بتخميسها في إدلب سنة 1217ومطلعها:
على م يا من أفاض الدمع كالديم ... تبكي وتعلن بالأشجان والسقم
وممّ مزج الدما بالدمع من ألم ... أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أشمت من أبرق بالأنس باسمة ... أم هل شجاك غراما نوح حائمة
أم ذاك من فرط أشواق ملازمة ... أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من إضم
وله مشطرا والأصل للمولى عبد الرحمن الجامي شارح «الكافية» :
بالله يا ريح الصبا ... اللطف شأنك والكرم
مني إليك أمانة ... إن جزت في أرض الحرم
بلّغ سلامي روضة ... وجه الوجود بها ابتسم
سمت السماء لأنها ... فيها النبي المحترم
وله مخمسا والأصل للمولى طه زاده علي أفندي:
هو الحب كم يقضي بإتلاف مهجتي ... ويأمرني أن أدفع الوجد بالتي
وكيف وقلبي ذاب من فرط حسرتي ... بليت بظبي نافر رام قتلتي
ولم يدر قتل النفس شيء محرّم
بثثت له شوقي ووجدي فلم يفد ... وملّكته روحي وقلبي فلم يرد
ومن نال وصلا منه يوما فقد سعد ... كتمت الهوى خوفا عليه ولم أجد
معينا لشوقي وهو بالحال يعلم
أكابد منه طول عمري محنة ... ويزداد هجرانا عليّ وقسوة
وما كنت أدري أن أقاسي لوعة ... وخلت الهوى عذبا وللصب منحة
ودمعي غدا مني إليه يترجم
لساني له فيما أقاسيه ناطق ... وقلبي للقياه مدى الدهر خافق
وطرفي من خوف على البعد رامق ... ومالي ذنب غير أني عاشق
أسير غرام بالنوى أترنم
نعم منيتي قلبي عليك قد احتوى ... وما رام تبديلا وما مال للسوى
فهل حسن أن تحرق القلب بالجوى ... أبيت حزينا من جوى البعد والنوى
وفي مهجتي نار من العشق تضرم
فإن قلت من أضناه شوق أقل أنا ... وأروي حديثا في هواك معنعنا
ولو ذبت من حر التباعد والعنا ... فجدلي بعفو منك يا غاية المنى
فيرحم ربي كل من كان يرحم
لأنت بجيش الحسن خير مؤيد ... ملكت زمام الظرف من كل أغيد
فلا تستمع خلّي كلام مفنّد ... ولا تمتنع عني بحق محمد
وأنعم بقرب أيها المتكرم
بعشقك هذا الصب ضل وقد غوى ... أيا من لأنواع المحاسن قد حوى
وبعدك أعياني وللقلب قد كوى ... فإن كان ذنبي العشق للغير والسوى
فأنت كهمز الوصل عندي مقدّم
فإن كنت لا تهواه إلا تكلفا ... وتتركه يقضى أسى وتأسفا
فعفوا وصفحا فالذي قد جرى كفى ... وهذا الرجا فاقبله مني تعطفا
وإلا يفد يا حب عشت وتسلم
عساك بوصل من نوالك تنعم ... لصب بنيران الجوى يتألم
بماضيّ لحظ أحور منك أقسم ... لئن لم تصلني يا حبيبي أعدم
شفائي وسقمي منك والله أعلم
وله في هذا الديوان عدة قدود وموشحات لحنها لعنايته بعلم الموسيقا والأنغام، وكان يعد من أركان هذا الفن في حلب، وكانت تلك القدود تغنى بين يديه في حلقة الذكر، ومن جملتها موشح مشهور متداول قاله حينما كان متوجها لدار السعادة سنة 1220مطلعه: