وأجفان عيني بالدموع تقرحت ... ومنهن فوق الخد سال صديد
وفتت ناعيهم فؤادي ومهجتي ... وإني على حمل الهموم جليد
جزعت فقالوا ما عهدناك هكذا ... فقلت إليكم فالمصاب شديد
خلعت جلابيب التصبر عندما ... تذكرت حبي والمزار بعيد
يحق لعيني تهجر النوم والكرى ... إلى أن يلينا سائق وشهيد
ويحسن مني أجعل العمر مأتما ... وأندب ندبا ما عليه مزيد
مضت زهرة الدنيا وزال صفاؤها ... ولم يبق من نيل الغموم محيد
فليت الليالي أطبقت عين صبحها ... على أن أيام المصيبة سود
ويا ليتني ما كنت شيئا أو انني ... لحقت بربي أن يقال وليد
ولم أدرك الدهر الذي قل خيره ... وساء به ندب وسر وليد
مضى القوم أهل العزم والحزم والحجا ... ومن رأيهم في الحادثات سديد
مضى العلماء العاملون فما لنا ... يلذّ لنا بين الأنام هجود
همو وارثو علم النبيّ محمد ... وهم لحمى دين الإله عمود
بهم رفع الباري العذاب عن الورى ... كذا محكم التنزيل جاء يفيد
وفضّل بين العالمين وحيدهم ... وهل فوق هذا مادح وحميد
أقاموا كراما ثم ساروا أعزة ... وذكر علاهم ثابت وجديد
بهم كانت الدنيا تلألأ بهجة ... وفيهم بناء المسلمين مشيد
وفي عصرنا قد كان منهم بقية ... به كل يوم للبرية عيد
هو السيد الحبر الإمام أبو الوفا ... ملاذ الورى بحر العلوم فريد
مجدد هذا القرن درة عقده ... ومن نوره في الخافقين يفيد
أتى عند ما بالجهل مدت ظلامة ... على الكون حتى ضل فيه رشيد
وأعوز أهل الأرض للدين مرشد ... خبير بأحكام الإله مفيد
فما هو إلا أن قضى سيف عزمه ... وضم إليه طالب ومريد
وقام على ساق الهدى طول عمره ... يعلم شرع المصطفى ويفيد
إلى أن ملا الآفاق علما وحكمة ... وحدّث عنه سادة وعبيد
فكم في ذرى الشهباء حبر محقق ... وكم آخذ في الدين عنه وحيد
فضائله في الأرض ليست خفية ... وقد سار منها في البلاد مزيد
وفي كل إقليم إذا ما ذكرته ... يقولون هذا في البرية سيد
وهي طويلة نكتفي منها بهذا المقدار وهو معظمها.
وترجمه الأديب قسطاكي بك الحمصي في كتابه «أدباء حلب» فقال في صفته:
إنه كان ربعة ممتلىء الجسم أبيض اللون صبيح الوجه أسود العينين مليح الأنف والفم على غاية من الجمال، وورث حسن الصوت عن أبيه وجده، وكان يلقب بالزينة كجده لما اجتمع له في صوته من الحسن والجهارة، وكان كلما رتل في الجامع أو في زاويته يجتمع الناس من كل حدب وتصعد النساء إلى السطوح لشغفهم باستماع صوته. وكان يقيم الأذكار الشاذلية مع أبيه في الزاوية المعروفة بمسجد خير الله في محلة الأكراد بحلب وهي المشهورة بالزاوية الرفاعية، وهي زاويتهم الأصلية، وله غيرها أربع تكايا، ولما أدرك العجز والده انتقلت إليه مشيخة الطريقة.
ووقعت منازعة بينه وبين بعض مشايخ حلب على إحدى التكايا التي كانت تحت توليته، فقصد القسطنطينية ولقي من حفاوة وزرائها وكبرائها به ما يقصر عنه الوصف، ومدحوه ومدحهم بالمنثور والمنظوم، ثم عاد إلى حلب وقد زودوه ببراءة سلطانية تمنع كل حاكم فيها استماع أي دعوى عليه في التكية المذكورة.
[ثم قال] : ومما نحفظ من غزله قطعة من موشح رويناها في كتابنا «منهل الوراد» وهي:
يا مهاة البان يا ذات الدلال ... جل من أبدع ذا الوجه الجميل
غلب الوجد وليل الهجر طال ... وأنا المغرم بالفرع الطويل
قدك المياس لولا الأزر سال ... فاكشفي عن وجنة الخد الأسيل
لأرى نقشا عليه رسما ... ناعم الوشي طري الملمس
وله:
رفع الحجب عن بدور الكمال ... مرحبا مرحبا بأهل الجمال
سادتي سادتي بحقي عليكم ... إنني عندكم عزيز وغال
لم يعد لي حبيب قلب سواكم ... زال رسمي وحال حال خيالي
ومنها:
ملكوني بلطفهم ورضوا بي ... عبد رق فسدت بين الرجال
ومنها: