وفي نواحي سنة 1290صار سيدي الوالد يتجر إلى بلاد الحجاز، ويأخذ مناديل تسمى دجاج الحبش وملافع أشكالا متنوعة يطبعها في مطبعته، ويأخذ معه أنواعا من بضائع هذه البلاد مثل البسط والصايات والقصب الذهبي والفضي المعروف بالتيل وهو
من مصنوعات حلب [1] ، ويأخذ معه أيضا من البضائع الإفرنجية يشتري بعضا منها من حلب وبعضا من بيروت، ويجلب من مكة وجدة الأقمشة والزنانير الهندية والأواني النحاسية والمسك والعطر وأنواع العطارة، وكان يتوجه هو سنة وسيدي الأخ الشيخ محمد سنة، وربما أرسل سيدي العم الشيخ عبد السلام في بعض السنين، ويستصحب معه أحيانا بعض إخوتي، واستصحبني معه سنة 1307كما قدمته في ترجمة سيدي الأخ الشيخ محمد.
وفي سنة 1308أرسل أخي الحاج عبد القادر وأرسل معه قريبا لنا، وعادا في الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة 1309، فخرج سيدي الوالد ومعه بعض أقاربنا وكنت معهم إلى قرية ترمانين لاستقبالهما على حسب العادة المألوفة وقتئذ في استقبال الحجاج القادمين من طريق الإسكندرونة إلى هذه القرية أو قرية تقات وهي قبل تلك القرية، وعدنا ونحن فرحون مسرورون بوصول أخي ومن معه سالمين، فما كدنا نصل البيت إلا وظهرت أمارات الإعياء والتعب على سيدي الوالد ومرض من ذلك اليوم، وظل مريضا اثني عشر يوما ولم ينجع معه دواء.
وفي يوم الجمعة في التاسع من شهر ربيع الثاني فارقت روحه جسمه وعمره ثلاث وستون سنة، فعظم بذلك مصابنا وتبدلت أفراحنا أتراحا، ولكن لا مرد لقضاء الله ولم يسعنا إلا الصبر والاحتساب. وكانت له جنازة مشهودة، ودفن في تربة السنابلة ملاصقا لقبر سيدي الجد.
وعمل له الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي أبياتا نقشت على قبره وهي:
إلهي ذنوبي أورثتني مذلة ... وأنت إلى العاصين بالعفو موجود
أتيتك يا مولى البرية كلها ... وهل يلف باب غير بابك مقصود
فحقق لظني بالذي أنت أهله ... فإنك أهل الفضل والفضل مشهود
أنلني مقاما في الجنان مؤرخا ... (فلطفك يا ذا العلم بالعبد محمود)
(1) صناعة القصب من الصنائع المهمة في حلب، وقد كان لها أهمية كبرى ورواج عظيم قبل خمسين سنة، وقد تكلم عليها حبيب مشحور الحلبي في مجلة المشرق في الجلد الرابع في سنة 1901في صحيفة 750في مقالة طويلة ذكر أصل دخولها لحلب وكيفية عمل القصب إلى غير ذلك من المعلومات الدالة على مهارة الحلبيين في هذه الصناعة، فارجع إليها إن شئت.