فهرس الكتاب

الصفحة 2438 من 2877

كان سيدي الوالد مربوع القامة، أسمر اللون سمرة قليلة، مستدير الوجه، متوسط اللحية، شاب معظمها قبيل وفاته، كثير التبسم دائم البشر حسن الملاقاة واسع الصدر لقاصده، مبذول الجاه لا يألو جهدا في قضاء حوائج الناس، رقيق القلب، كثير الصدقات، يقرض الحجاج المنقطعين في مكة ما يوصلهم إلى حلب ويستأجر لهم الجمال ويشيعهم إلى ظاهر مكة، وله في ذلك حكايات يتحدث بها عارفوه.

وكان لا تزعزعه الكوارث ولا تزعجه المصائب، بل يتلقاها بقلب متين وعزم شديد، لا يفرح مهما ربح في تجارته ولا تلقاه مهموما أو محزونا مهما خسر فيها، هو هو في الحالتين، وهذا الخلق قليل في الناس.

وكان ناصحا في بيعه وشرائه، مستقيما في أخذه وعطائه، لا يروج سلعته بيمين أو قسم بشيء.

وكان يحفظ كثيرا من فروع الفقه خصوصا أحكام البيع والشراء الصحيح منها من الفاسد، ولم يكن وحده في هذه الصفة بل كان على ذلك معظم تجار المسلمين لا يتعاطى أحدهم التجارة إلا بعد الوقوف على جانب من علم الفقه، بخلاف تجار هذا الزمان الذي قل فيهم من يعلم ذلك.

وكان ماهرا في صنعة بصم المنديل التي كانت قبل خمسين سنة واسعة في حلب، يتعاطاها نحو ستين شخصا يشغل كل واحد منهم فيها قدر عشرين شخصا ما بين صانع وأجير، وتشغل هذه الصنعة قدر عشر مصابغ للنيل كل مصبغة فيها نحو عشر من الصناع، وكان هذا المنديل يباع في بلاد القارص وأرزن الروم وأسعرد وآذنة وطرسوس وملاطية وغيرها من بلاد الأناضول وفي بغداد والموصل ومصر والحجاز والشام وطرابلس وحمص وحماة وحلب، لكل ناحية أشكال مخصوصة يضعه فلاحو هذه البلاد على رؤوسهم رجالا ونساء. ولما صارت الحرب الروسية العثمانية سنة 1290واستولت روسية على مقاطعة القارص بطل ما كان يباع إليها، لأن الحكومة الروسية وضعت على ما يدخلها إلى بلادها مكسا ثمانين في المئة، وكان مبلغا عظيما يشغّل عدة مطابع، وما يباع في باقي البلاد أخذ في التدني بمزاحمة البضائع الإفرنجية، وكلما تدنت وقل رواجها يقل من عدد هؤلاء المعلمين، بعضهم افتقر وبعضهم تعاطى صنعة غيرها. وكنت مع اشتغالي بخدمة العلم

أتعاطها وأتعاطى التجارة مع أخويّ الحاج بشير والحاج عبد القادر في الخان المعروف بخان العلبية ثم بخان البرغل. وفي سنة 1334في المحرم توفي أخي الحاج بشير وقد كان أحذقنا في هذه الصنعة. وفي سنة 1339تركنا هذه الصنعة بتاتا لقلة رواجها. وفي هذه السنة أعني سنة 1345لم يبق من معلمي هذه الصنعة سوى اثنين، ولا يباع هذا المنديل الآن إلا على فلاحي قرى حلب وحماة وحمص والدير، وقد كان يباع إلى بعض بلاد الأناضول وله هناك شيء من الرواج، وقد بطل ذلك في هذه السنين الثلاث من حين ما ألزم مصطفى كمال باشا رئيس الجمهورية التركية الأتراك بلبس القبعة (البرنيطة) وربما بطل الباقي بعد سنين قلائل. وقد مضى على وجود هذه الصنعة في حلب أكثر من مائتين وخمسين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت