يا قلب لا تبرح هنالك إنما ... عوّضت بالصخر الأصم جمانا
آويت للحسن بن طه حيث قد ... أولاك من إحسانه إحسانا
ومن حكمياته:
أمن الليالي قد أمنت نوائبا ... ومن الأفاعي السود بتّ مقاربا
وطمعت في نيل السعادة قاعدا ... وقنعت بالأمل الكذوب مداعبا
خامرت عقلك بالأماني إنما ... منّتك نفسك لا محال غرائبا
صفو الليالي مستعار ربما ... انكدرت فصيّرت الصباح غياهبا
ولرب نازلة أمنت وقوعها ... نصبت حبائلها فكنت الناصبا
وكذاك من ترك التحفظ دأبه ... إن عاتب الأيام كان معاتبا
أدب الفتى خير وجودة رأيه ... من أن ينال مناصبا ومراتبا
فمآل من يؤتى الولاية عزله ... ويظل غاد في البلاد وآيبا
ولربما مالت بمالك ليلة ... فأعادت الذهب المدنّر ذاهبا
شرط المروءة ما ائتمنت فلا تخن ... وإذا استشرت كن المشير الصائبا
فعلى القلوب من القلوب شواهد ... ستراك إما جاهدا أو لاعبا
ولو اعتبرت بما كرهت وجدته ... عين الذي قد كنت فيه الراغبا
إن الحكيم بأصغريه فكم ترى ... جيشا كبيرا عنه ولى هاربا
فإذا تبصر كان نجما ثاقبا ... وإذا تكلم خلت درا ذائبا
وإذا استطال بأسمر في أبيض ... أبصرت مسودّ الكتاب كتائبا
قدر الفتى ما كان يحسن صنعه ... لو كان فيه راغبا أو راهبا
حرص الحريص بغير عرض بدعة ... لم تبرح الأخيار عنه جانبا
لا تسلبنّك حسن رأيك فترة ... لا خير في السيف الصقيل إذا نبا
في نفس مخبرك اليقين لما أتى ... وبما أحب المرء قال وجاوبا
ولربما كان الصدوق وإنما ... نظر الطيور على الثغور مراكبا
ما كل برق خلته بك ممطرا ... كلا ولا كل النجوم كواكبا
إن كنت تعتب كل خل مذنب ... لم تلق في تلك البرية صاحبا
لهواك هون لا يطاع فلا تكن ... في غيه نحو التهاون واثبا
حب الغواني في الأنام غواية ... طبعت على قلب الجهول قوالبا
نوب إذا حققتهن بحكمة ... ألفيتهن مع الزمان مصائبا
فإذا فرحن فواحشا وإذا ... غضبن فواضحا وإذا حزن نوادبا
وودادهن على شبابك إنما ... يكرهن منك إذا رأينك شائبا
اربأ بنفسك أي مجد شامخ ... إن قمت للمجد المؤثّل طالبا
كم في الخمول كريم أصل ساقط ... ويسود من لا أم فيه ولا أبا
شرف تسيل به النفوس على الظبا ... نعم النصيب لمن أراد مناصبا
لابد من كأس الحمام فشربه ... بالعز أحلى ما يهنىء شاربا
إيداع سرك في صديقك بدعة ... فإذا أزيع فكن لذلك حاسبا
فلربما انقلب العدو مسالما ... ولربما رجع الصديق محاربا
ولربما كبت الجياد براكب ... ولربما قتل السلاح الضاربا
فاصحب على حسن الوقاية إنما ... يفنى الزمان إذا أردت تجاربا
والماء لون إنائه إن صافيا ... فإذا تكدر كان ألون غالبا
لا تنتظر وعدا تساء بمطله ... ما ثم واف سالبا أو واهبا
قد كان عرقوب بيثرب واحدا ... واليوم أصبحت الأنام عراقبا
أبناء هذا الدهر دهر مثله ... تلد العقارب مثلهن عقاربا
أنت الملوم بما تلوم به السوى ... والذنب ذنبك لا تكن متواربا
أنت المفرط والحكيم مقدر ... فلمن إخالك ساخطا ومغاضبا
والصبر أجمل في الأمور جميعها ... للطيش تلقى دون عقلك حاجبا
شكواك للإنسان عيب ظاهر ... فمتى شكوت عددت منك معائبا
حمل الجبال ولا سؤالك هين ... إن عدت منه غانما أو خائبا
ويد تمد لغير خالقها أرى ... في قطعها بعد التسنن واجبا
في بيع ماء الوجه غبن فاحش ... لو أن شريت مشارقا ومغاربا
والصدق في كل الأمور سفينة ... تنجو وتنجي في البحور الراكبا
والكذب أقبح مقتنى لو يقتنى ... لا ترتضي من أن تكون الكاذبا
والصوم عن نطق الفضول فضيلة ... أعلى وأسلم مفعلا وعواقبا
إن السنان عن اللسان لقاصر ... مهما استطال مناصلا وكواعبا
بالعلم ترقى من قصدت من العلا ... فاطلبه تلقى في العلوم رغائبا
ولسانك الثاني يراعك فابتهج ... ببراعة الإنشا تكون الكاتبا
وكل الأمور إلى مدبّرها ترى ... بين انطباق الجفن منك عجائبا
وأنب إلى المولى وتب متندما ... إن الإله يحب عبدا تائبا
وإذا الزمان عدا عليك وجئته ... بالمصطفى المختار كنت الغالبا
اهـ