فهرس الكتاب

الصفحة 2514 من 2877

فبعد اختباره التام لبلاد الدولة العلية تركها وعربها وأكرادها وأرمنها، ثم اختباره لمصر ومعرفة حال السودان منها ساح منذ سنتين في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسيا الغربية. ثم أتم سياحته في العام الماضي فاختبر بلاد العرب التي كانت موضع أمله أتم الاختبار، فإنه دخلها من سواحل المحيط الهندي، وما زال يوغل فيها حتى دخل في بلاد سوريا واجتمع بالأمراء وشيوخ القبائل وعرف استعدادهم الحربي والأدبي، وعرف حالة البلاد الزراعية، وعرف كثيرا من معادنها حتى إنه استحضر نموذجا منها. وقد انتهى في رحلته الأخيرة إلى كراجي [من موانىء الهند] وسخر الله له في عودته سفينة حربية إيطالية حملته بتوصية من وكيل إيطاليا السياسي في مسقط فطافت به في سواحل بلاد العرب وسواحل إفريقية الشرقية، فتيسر له بذلك اختبار هذه البلاد اختبارا سبق فيه الإفرنج.

وكان في نفسه رحلة أخرى يتمم بها اختباره للمسلمين وهي الرحلة إلى بلاد العرب، ولكن حالت دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم.

أرأيت رجلا كريم الأصل، كبير العقل، تربى أحسن تربية، وتعلم أحسن تعليم، ودخل في الأعمال المختلفة، وتصدى للمشروعات المتعددة، وكتب في أدق المسائل أحسن الكتابة، وساح في البلاد واختبر أحوال الأمم، حتى بلغ أشده واستوى، كيف يكون حاله وما هي درجة استعداده. هذا هو صديقنا الذي فقدناه بالأمس، فكأنما فقدنا به الشمس. ومثل تلك الآمال الكبيرة لا تبلغ إلا بمساعدة الحكومة أو سعة المال أو الجمعيات، وقد كان له أمل في مصر وأميرها أراه الاختبار خلافه.

ولقد كان لموته تأثير كبير في نفوس الفضلاء والعقلاء، وقد نعي إلى الجناب الخديوي في صبيحة الليلة التي مات فيها، فأمر بأن يجهز على نفقة سموه وأن يعجل بدفنه، فكان ذلك. فرحم الله فقيدنا وأحسن عزاء الإسلام والشرق فيه. اهـ. (مجلة المنار) .

وترجمته أيضا على إثر وفاته جريدة اللواء والمؤيد والقاهرة والرقيب والأهرام ومجلتا المقتطف والهلال، وكلها تضرب على وتر واحد من بيان فضله وسعة مداركه وعلو همته وآماله، وذكرت أنه دفن في قرافة باب الوزير.

ونقش على قبره بيتان من نظم شاعر النيل محمد حافظ إبراهيم نقلتهما من ديوانه المطبوع وهما:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى ... هنا خير مظلوم هنا خير كاتب

قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا ... عليه فهذا القبر قبر الكواكبي

ورثاه الأديب الفاضل الشيخ مصطفى صادق الرافعي بقوله:

أحقا رأيت الموت دامي المخالب ... وفي كل ناد عصبة حول نادب

وتحت ضلوع القوم جمرا مؤججا ... تسعر ما بين الحشا والترائب

وفي كل جفن عبرة حين أرسلت ... رأوا كيف تهمي مثقلات السحائب

أبى الموت إلا وثبة تصدع الدجى ... وكم ليلة قد باتها غير واثب

فما انفلق الإصباح حتى رأيته ... وقد نشبت أظفاره بالكواكب [ي]

وكم في حشا الأيام من مدلهمة ... قد ازدحمت فيها بنات المصائب

هوى القمر الوهاج فاخبط معي الثرى ... إذا لاح ضوء النجم بين الغياهب

ووطّن على خوض المنيات أنفسا ... تساوقها الآجال سوق النجائب

فهن العواري استرجع الموت بعضها ... وقصر البواقي ما جرى للذواهب

أبعد حكيم الشرق تذخر عبرة ... وما هو من بعد الرحيل بآيب

حثوا فوق خديه التراب وأرسلوا ... عليه سحابات الدموع السواكب

ولو رفعوا فوق السماكين قبره ... لما بلغوا من حقه بعض واجب

لتبك عليه الصحف في كل معرك ... إذا ما انتضى أقلامه كل كاتب

فقد كان إن هز اليراع رأيته ... يصول بأمضى من فرند القواضب

ولم يك هيابا إذا حمس الوغى ... ورفرفت الأعلام فوق الكتائب

وكانت سجاياه كما شاءها الهدى ... وشاءت لأهليها كرام المناقب

ولا بدع أن تعزى الكواكب للعلا ... وقد نسبته نفسه للكواكب

سلوا حامليه هل رأوا حول نعشه ... ملائكة من حارب حلف حارب

وهل حملوا التقوى إلى حفرة الثرى ... وساروا بذاك الطود فوق المناكب

وهل أغمدوا في قبره صارما إذا ... تجرد راع الشرق أهل المغارب

فكم هزه الإسلام في وجه حادث ... فهز صقيل الحد عضب المضارب

أرى حسرات في النفوس تهافتت ... لها قطع الأحشاء من كل جانب

وما بعجيب أن ذا الدهر قلّب ... إذا كان في أهليه كل العجائب

أقول: قول الفاضل صاحب (المنار) في أوائل الترجمة إنه أنشأ جريدة (الشهباء) 1293هو سهو، والصواب أنه أنشأها سنة 1295، وهي أسبوعية رأيت العدد الثاني عشر منها عند أسعد أفندي العينتابي أحد وجهاء الشهباء، وهو مؤرخ في 29جمادى الثانية سنة 1295. وقد تكلم على هذه الجريدة الأديب فليب دي طرازي في كتابه «تاريخ الصحافة العربية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت