ومن آثاره الخالدة الجامع العظيم الذي عمره في المحلة المعروفة بالجميلية، وسبب عمارته له أنه لما عمر جميل باشا والي حلب داره خارج باب الفرج غربي نهر قويق وغربي التربة الدقماقية التي درس معظمها واتخذ منها جادة وبني في قسم كبير منها دار عظيمة هي الآن دائرة الاقتصاد العامة [وقد ذكرت ذلك في ترجمة الوالي جميل باشا في الجزء الثالث] صار الناس يبنون هناك الدور، وبني هناك المكتب السلطاني الكبير، وتتابع البناء فأصبحت محلة واسعة سميت في دوائر الحكومة محلة السليمية، غير أنه غلب عليها إلى الآن اسم (الجميلية) نسبة إلى جميل باشا المتقدم الذكر، عند ذلك رأى المترجم أن المحلة أصبحت في حاجة لبناء جامع فيها، فاهتم في ذلك واشترى أرضا مساحتها 1460ذراعا بالذراع
النجاري وبنى فيها جامعه الذي سمي باسمه، وكان الباني له الحاج علي صهريج البنّاء المشهور، وصرف في عمارته نحو 1500ليرة عثمانية ذهبا، وبعض الناس يقولون إن بعض هذا المصروف من وصية زوجة عمه تقي الدين باشا، ولا صحة لذلك، بل جميعه من ماله الخاص. وكان بناؤه له سنة 1317وعيّن له إماما الشيخ الفاضل ابن خالي الشيخ محمد كلزية، وهو إمامه إلى يومنا هذا، وبنى في الجهة الشمالية من الجامع حجرتين مقبوتين بالأحجار إحداهما لسكنى الإمام والثانية لوضع أدوات الجامع، وحجرة كبيرة معدة لتعليم أطفال المسلمين القرآن العظيم، وبنى صهريجا مقبوا بالأحجار واقعا تحت قبلية الجامع يملأ من ماء المطر، ووضع جرنين يملآن من الصهريج المذكور ليشرب منهما الناس.
ووقف على هذا الجامع في هذه المحلة أربعة دور متلاصقة بناها ودارا وجنينة وعرصة لبناء إصطبل مساحة الجميع 3355ذراعا بالذراع النجاري كما هو موضح في كتاب وقفه المؤرخ في ثامن عشر شهر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية.
ومما شرطه في هذا الكتاب أن يشتري المتولي عليه من ريع هذه الدور كل سنة قبل عيد الفطر خاما وطرابيش ونعالا بمبلغ خمسمائة قرش يوزعها على الأطفال الأيتام الفقراء الذين يتعلمون في مكتبه المذكور، جزاه الله عن سعيه أحسن الجزاء وأجزل له الثواب بمنّه وكرمه.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين عن ستين عاما، ودفن في تربة الجبيلة، رحمه الله تعالى.
ولما أتم بناء الجامع امتدحه الشيخ أحمد ابن الشيخ شهيد الترمانيني مفتي حارم بأبيات مطرزا فيها اسم المترجم في أول كل كلمة من الشطرة الأولى وذاكرا الجامع في آخر كل كلمة منها بحيث صار المجموع بيتا على حدة في كل شطرة منه تاريخ البناء، وذلك سنة 1317، وطرز اسمه في أول كل كلمة من الشطرة الثانية، وهي:
(ز) زها بارق الشهباء والمنهل العذب (ب)
(م) مقاصفها يرتاح في شمها القلب
(ك) كما شاء قلبي والهوى لي منهج (ج)
(ن) نهاني النهى عن غيه وله أصبو
(ي) يواصلني في حندس الليل طيفها (أ)
(أ) أفيق ولي والفجر في وصلها حرب
(ب) بدوت وما في البدو قصدي ولم أحم (م)
(ح) حمى وصلها والصب بغيته القرب
(أ) ألا يا بني الشهباء هل ثم سامع (ع)
(م) مجير فلي في طيّ بلدتكم نحب
(ش) شوى قلبي الولهان وجد مبرح (ح)
(د) دعاني لها والحب منهجه صعب
(أ) أنادي وهل بعد الزكيّ محافظ (ظ)
(م) مودة من يحويه مجلسه الرحب
(ل) لرب البرايا تم بالخير سعيه (هـ)
(ف) فدونك والتقوى بجامعه تربو
(هـ) هويّ دجى الأسحار لله خاشعا (أ)
(ت) تراقبه الأملاك في الليل والكتب
(أ) أعدّ سبيلا ماؤه الوفر هاطل (ل)
(ي) يباح إلى الظمآن منهله العذب
(ل) له الأثر المشكور لله باقيا (أ)
(ح) حميدا وكم لله في دينه صحب
(ف) فكم ثمّ في ملك الحميد محاسن (ن)
(أ) إليه انتمت حقا وفيه لها حب
(ض) ضيا الدين في أيام دولته ولو (و)
(ر) رفعت لقلت الكون والملك والحرب
(ل) لإحسان باريه الزكيّ مناظر (ر)
(م) من الغرّ أبناء المدرس هم حزب
زكي باشا له الفضل 1317بجامع حظه الأنور 1317من أحمد مفتي حارم 1317.