فهرس الكتاب

الصفحة 2575 من 2877

وأما المترجم صالح آغا فقد كانت ولادته سنة 1269. ولما ترعرع قرأ على الشيخ علي الكحيل أمين الفتوى في مقدمات العلوم وعلى غيره من فضلاء عصره، فحصل من النحو وغيره طرفا، وحبب إليه العلم وأهله والأدب وذووه، ونظرا لثروته أخذ في شراء الكتب واقتنائها، فصار لديه مكتبة نفيسة كبيرة تزيد على عشر خزائن فيها عدة كتب من نفائس المخطوطات، منها شرح العلامة الزبيدي على القاموس المسمى «بتاج العروس» رأيته عنده، في تسعة مجلدات، ولما طبع هذا الشرح الجليل أرسلت هذه النسخة بالأمر من السلطان عبد الحميد خان العثماني إلى مصر، ولما طبع هذا الكتاب أعيدت إلى هنا.

محمد صالح آغا كتخداو كان المترجم يضع في كل بيت من بيوت داره الواسعة خزانة من كتبه فيطالع فيها في الأدب والتاريخ، وقد كان مولعا بهما، ويحفظ قسما كبيرا من المعلقات وغيرها. وكان منزله الخارجي (القناق) مجمعا للعلماء والأدباء أمثال شيخنا الشيخ بشير الغزي وأخيه الشيخ كامل والشاعر يوسف الداده وغيرهم.

وتولى عدة وظائف، فصار عضوا في محكمة بداية الحقوق، ثم في محكمة استئناف الجزاء، ورئيسا لغرفة التجارة في حلب، وصار رئيسا للمجلس البلدي أولا وثانيا، وولايته للمرة الثانية كانت سنة 1325هجرية حينما كان والي الولاية محمد ناظم باشا.

وجرى له معه حادثة وهي أنه في السنة المتقدمة والتي قبلها حصلت عمارة في الجامع الكبير ذكرناها في أواخر الجزء الثالث (ص 401) ، وعيّن المترجم ناظرا للعمل، وقد فاتنا أن نذكر ذلك ثمة، وصرف وقتئذ ألفا ليرة عثمانية ذهبا. ولما قدّم المترجم دفتر المصروف لم يوافق المجلس على ختمه، وكان المعارض في ذلك الشيخ محمد العبيسي مفتي حلب لأمر كان بينهما، فبلغ المترجم ذلك فحمل ألفي ليرة وذهب إلى المجلس، ولما دخل قال: إن ما صرفته على الجامع هو تبرع مني إليه، وها هي الألفا ليرة. وحينئذ أدرك الوالي ناظم باشا وبقية الأعضاء سر المسألة وأخذوا في تلطيف خاطره وختموا له الدفتر وأعادوا له الدراهم.

ومن مزاياه أنه كان صادق اللهجة مستقيما حسن الوفاء لما وعد به، مبسوط اليد لا يألوا جهدا في بذل المعروف لذوي الحاجة والفاقة، مبذول الجاه لمن قصده بقدر الإمكان، باش الوجه متواضعا. وامتدحه عدة من شعراء الشهباء بعدة قصائد. ومع مداخلته في أمور الحكومة وتوليه للوظائف المتقدمة وغيرها من اللجان (القومسيونات) التي عين فيها تارة رئيسا وتارة عضوا لم يلبس الثياب الضيقة التي يلبسها الحكام المسماة (بالسترة والبنطلون) بل بقي على لباسه العربي، وهو الثوب المعروف بالقنباز، وفوقه زنار من الشال الهندي وجبّة طويلة من الجوخ كما تراه في رسمه.

وفي نواحي سنة 1327بعد أن انتهت مدة رئاسته للبلدية لزم بيته وعكف على المطالعة كما قدمنا وعلى النظر في شؤون أملاكه وزراعته وزيتونه الذي في نواحي كفر تخاريم وسلقين، إلى أن وافاه الأجل المحتوم، وذلك يوم الثلاثاء في العشرين من جمادى الأولى سنة 1335، ودفن في تربة الصالحين، رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت