ثم إن حسن باشا عظم أمره واستطار شرر فتنته وكثر الملتفون حوله من أهالي البلاد وخشي السلطان عواقب أمره حتى إنه عزم أن يخرج بنفسه لقتاله فمنعه الصدر الأعظم إذ لم يجد توجهه مناسبا للمصلحة، وآخر الأمر وعد السردار مرتضى أن يكفيه أمره وتوجه بعساكره إلى هذه البلاد، وهو في الطريق تصادف مع
حمامجي أوغلي صهر حسن باشا الذي كان متسلما في حلب من طرف عمه وطرد منها كما تقدم، فأظهر هذا الإخلاص والطاعة وانضم إلى جيش مرتضى باشا، وكان في جيش مرتضى باشا محمود باشا أدرنه لي الذي تعين واليا في حلب ومعه أيضا دولار باشا، فتواطأ هذان مع حمامجي أوغلي وأرسل الثلاثة سرا إلى حسن باشا أبازة أنهم سينضمون إلى جيشه عند حصول المعركة، فأحس مرتضى باشا بالأمر بواسطة بعض الجواسيس وقتل الثلاثة، وبعد قتلهم توجه إلى أسكي شهر ومنها إلى قونية وحصل في تلك النواحي أمور يطول شرحها.
ثم إن الدولة أمرت قدري باشا والي الشام ومعه من الأمراء والعساكر بالالتحاق بمرتضى باشا وعينت واليا على حلب قوناقجي علي باشا، وآخر الأمر اتخذ مرتضى باشا حلب مركزا لحركاته العسكرية وحسن باشا كان قد حضر إلى عينتاب واتخذها مقرا له ولعساكره أيضا. وشرع مرتضى باشا يستميل أهل هذه البلاد من عرب وكرد وتركمان ويحرضهم على قتال الخارجي حسن باشا، فاجتمع من هؤلاء كثيرون وأخذوا الطرق على حسن باشا وقطعوا عليه المؤن، فضاق عندئذ به الأمر فقرر على الذهاب لجهة الجزيرة وتوجه إلى بيره جك، وهناك تقابل مع واليها وحصل بينهما قتال قتل فيه من جماعة حسن باشا نحو ألف، وشدد مرتضى باشا الأمر على حسن باشا وضايقه أشد المضايقة وقتل من جماعته كثيرا. وصادف إذ ذاك وقوع الشتاء وانقطاع السبل والقحط والغلاء فلم يجد حسن باشا بدا من الاستسلام وأرسل إلى مرتضى باشا يطلب منه الأمان واستحصال العفو عن جرائمه بواسطته من حضرة السلطان.
ثم أخذ مرتضى باشا هو وقوناقجي علي باشا والي حلب في إعمال الحيلة في القبض على حسن باشا وكبار شيعته وأدخل من جماعته في جيش حسن باشا فئة أخذت تفرق الكلمة بين عساكره واستمالت منهم جملة منها مفتي جيشه والبلوك باشي، فأقنع هذان لحسن باشا بالتوجه إلى حلب والصلح مع السردار مرتضى باشا واستحصال العفو السلطاني، فتوجه حسن باشا إلى حلب ومعه ثلاثون من كبار جيشه فخرج مرتضى باشا ووالي حلب قوناقجي علي باشا واستقبلوه استقبالا حسنا وأنزلوه ومن معه في دار الحكومة وعملوا لهم ضيافة شائقة فيها، وبات حسن باشا وأحمد باشا الطيار وكنعان باشا في السراي بنية النوم فيها وبقية الجماعة وزعت على
عدة بيوت من بيوت أعيان حلب كل شخصين أو ثلاثة في بيت، وكان الاتفاق مع هؤلاء الأعيان أنهم متى سمعوا صوت المدفع من القلعة يقبض كل واحد على من عنده ويقتله في الحال وأن من أفشى هذا السر سواء كان صاحب المنزل أو أحدا من بيته فإن صاحب المنزل يقتل. وبعد العشاء صار مرتضى باشا يباسط من بات عنده في دار الحكومة ويطعمهم من الحلوى، ثم آذنهم بصلاة العشاء وكلفهم الوضوء فقاموا لتناول الوضوء وشمروا عن سواعدهم وكان قد أخفى مقدار عشرين رجلا مدججين بالسلاح، فأشار مرتضى باشا إلى هؤلاء فظهروا وهجموا على هؤلاء الثلاثة وأوسعوهم ضربا بالخناجر إلى أن قتلوا، وبعد أن فرغ من أمرهم أرسل إلى القلعة فضرب بها المدفع الموعود به فقام كل واحد من أولئك على من كان عنده فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد وقطعت رؤوسهم وملئت تبنا وأرسلت إلى مقر السلطنة، وفي اليوم التالي ألقيت جثثهم في ساحة باب الفرج، وكان عددهم ثلاثين رجلا، وكان قتلهم ليلة الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وستين وألف. وسرد المؤرخ نعيما أسماءهم واحدا واحدا ولم نجد في ذلك كبير فائدة. ثم قال المؤرخ تحت عنوان (غريبة) :