ثم قال ابن شداد [في السيرة الصلاحية] : لما وقعت الوقعة الأولى مع الحلبيين والمواصلة كان سيف الدين صاحب الموصل على سنجار يحاصر أخاه عماد الدين يقصد أخذها منه ودخوله في طاعته، وكان أخوه قد أظهر الانتماء إلى السلطان صلاح الدين واعتصم بذلك، واشتد سيف الدين في حصار المكان وضربه بالمنجنيق حتى انهدم من سوره ثلم كثيرة وأشرف على الأخذ، فبلغه وقوع هذه الوقعة فخاف أن يبلغ ذلك أخاه فيشد أمره ويقوى جأشه، فراسله في الصلح فصالحه، ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار حتى أتى الفرات وعبر بالبيرة وخيم على جانب الفرات الشامي، وأرسل كمشتكين إليه وجرت مراجعات كثيرة عزم فيها على العود مرارا حتى استقر اجتماعه بالملك الصالح وسمحوا به، وسار ووصل حلب وخرج الصالح إلى لقائه بنفسه فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى، ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد إليها وسار هو حتى نزل بعين المباركة وأقام بها مدة وعسكر حلب يخرج إلى خدمته في كل يوم، وصعد القلعة جريدة وأكل فيها خبزا ونزل وسار راحلا إلى تل السلطان ومعه جمع كبير وأهل ديار بكر والسلطان رحمه الله قد أنفذ في طلب العساكر من مصر وهو يرقب وصولها، وهؤلاء يتأخرون في أمورهم وتدابيرهم وهم لا يشعرون أن في التأخير تدميرا، حتى وصل عسكر مصر فسار رحمه الله حتى أتى قرون حماة فبلغهم أنه قد قارب عسكرهم فأخرجوا اليزك ووجهوا من كشف الأخبار فوجدوه قد وصل جريدة إلى جباب التركمان وتفرق عسكره يسقي، فلو أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة، لكن صبروا عليه حتى سقى خيله هو وعسكره واجتمعوا وتعبوا تعبية القتال، وأصبح القوم على مصاف، وذلك بكرة الخميس العاشر من شوال فالتقى العسكران وتصادما وجرى قتال عظيم وانكسرت ميسرة
السلطان بابن زين الدين مظفر الدين، فإنه كان في ميمنة سيف الدين، وحمل السلطان بنفسه فانكسر القوم وأسر منهم جمعا عظيما من كبار الأمراء منهم الأمير فخر الدين عبد المسيح، فمن عليهم وأطلقهم وعاد سيف الدين إلى حلب فأخذ منها خزانته وسار حتى عبر الفرات وعاد إلى بلاده وأمسك هو رحمه الله عن تتبع العسكر، ونزل في بقية ذلك اليوم في خيم القوم فإنهم كانوا قد أبقوا الثقل على ما كان عليه والمطابخ قد عملت ففرق الإصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين لعز الدين فرخشاه اه.
ثم نقل في الروضتين ما ذكره العماد الكاتب في كتاب البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية في هذه الوقعة فقال:
قال العماد: رحلنا في شهر رمضان من دمشق مستأنفين فعبرنا العاصي لله طائعين وإلى المسار مسارعين، فما عرجنا على البلد ولا انتظرنا ما وراءنا من مدد، ونزلنا الغسولة وحزنا حماة وخيمنا في مرج بوقبيس. وجاء الخبر أنهم في عشرين ألف فارس سوى سوادهم وما وراءهم من أمدادهم [سيأتيك ما فيه نقلا عن ابن الأثير] وأنهم موعودون من الفرنج بالنجدة وأنهم يزيدون في كل يوم قوة وشدة، وما كان اجتمع من عسكرنا سوى ألف فارس، فرتب السلطان عسكره وقوى بقوة قلبه قلبه. وأمد الله بحزب ملائكته حزبه. ولما وصل المواصلة إلى حلب أطلقوا من كان في الأسرى من ملوك الفرنج منهم أرناط إبرنس الكرك وجوسلين خال الملك وقرروا معهم أن يدخلوا من مساعدتهم في الدرك، فلما عيدنا وصل إلى السلطان الخبر بوصولهم إلى تل السلطان فعبرنا العاصي عند شيزر ورتبنا العسكر وأعدنا الأثقال إلى حماة. ثم وصف الوقعة إلى أن قال: وركب السلطان أكتافهم فشل مئيهم وآلافهم حتى أخرجهم من خيامهم وأشرقهم بمائهم ووكل بسرداق سيف الدين غازي ومضاربه ابن أخيه فرخشاه، وركض وراءه حتى علم أنه تعداه، ووقع في الأسر جماعة من الأمراء المقدمين ثم من عليهم بالخلع بعد أن نقلهم إلى حماة وأطلقهم، ثم نزل في السرادق السيفي فتسلمه بخزائنه ومحاسنه وإصطبلاته ومطابخه ورواسي عزه ورواسخه فبسط في جميع ذلك أيدي الجود وفرقها على الحضور والشهود، وأبقى منها نصيبا للرسل والوفود. ورأى في بيت الشراب في السرادق الخاص طيورا من القماري والبلابل والهزار والببغا في الأقفاص، فاستدعى أحد الندماء مظفر الأقرع فآنسه وقال: خذ هذه الأقفاص واطلب بها الخلاص واذهب بها إلى سيف الدين فأوصلها إليه وسلم منا عليه وقل له: عد إلى اللعب بهذه
الطيور فهي سليمة لا توقعك في مثل هذا المحذور. وقال: ولما كسر القوم ولوا مدبرين إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض وظنوا أن العساكر وراءهم ركضا وراء ركض، فتبعجت خيولهم وتموجت سيولهم وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب ويغلقون أبوابها ويسكنون اضطرابها. وأما سيف الدين فإنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة وجاوز في سوقه الاستطاعة وفرق وفارق الجماعة اه.