قال العماد: رحلنا في شهر رمضان من دمشق مستأنفين فعبرنا العاصي لله طائعين وإلى المسار مسارعين، فما عرجنا على البلد ولا انتظرنا ما وراءنا من مدد، ونزلنا الغسولة وحزنا حماة وخيمنا في مرج بوقبيس. وجاء الخبر أنهم في عشرين ألف فارس سوى سوادهم وما وراءهم من أمدادهم [سيأتيك ما فيه نقلا عن ابن الأثير] وأنهم موعودون من الفرنج بالنجدة وأنهم يزيدون في كل يوم قوة وشدة، وما كان اجتمع من عسكرنا سوى ألف فارس، فرتب السلطان عسكره وقوى بقوة قلبه قلبه. وأمد الله بحزب ملائكته حزبه. ولما وصل المواصلة إلى حلب أطلقوا من كان في الأسرى من ملوك الفرنج منهم أرناط إبرنس الكرك وجوسلين خال الملك وقرروا معهم أن يدخلوا من مساعدتهم في الدرك، فلما عيدنا وصل إلى السلطان الخبر بوصولهم إلى تل السلطان فعبرنا العاصي عند شيزر ورتبنا العسكر وأعدنا الأثقال إلى حماة. ثم وصف الوقعة إلى أن قال: وركب السلطان أكتافهم فشل مئيهم وآلافهم حتى أخرجهم من خيامهم وأشرقهم بمائهم ووكل بسرداق سيف الدين غازي ومضاربه ابن أخيه فرخشاه، وركض وراءه حتى علم أنه تعداه، ووقع في الأسر جماعة من الأمراء المقدمين ثم من عليهم بالخلع بعد أن نقلهم إلى حماة وأطلقهم، ثم نزل في السرادق السيفي فتسلمه بخزائنه ومحاسنه وإصطبلاته ومطابخه ورواسي عزه ورواسخه فبسط في جميع ذلك أيدي الجود وفرقها على الحضور والشهود، وأبقى منها نصيبا للرسل والوفود. ورأى في بيت الشراب في السرادق الخاص طيورا من القماري والبلابل والهزار والببغا في الأقفاص، فاستدعى أحد الندماء مظفر الأقرع فآنسه وقال: خذ هذه الأقفاص واطلب بها الخلاص واذهب بها إلى سيف الدين فأوصلها إليه وسلم منا عليه وقل له: عد إلى اللعب بهذه
الطيور فهي سليمة لا توقعك في مثل هذا المحذور. وقال: ولما كسر القوم ولوا مدبرين إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض وظنوا أن العساكر وراءهم ركضا وراء ركض، فتبعجت خيولهم وتموجت سيولهم وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب ويغلقون أبوابها ويسكنون اضطرابها. وأما سيف الدين فإنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة وجاوز في سوقه الاستطاعة وفرق وفارق الجماعة اه.
وقال ابن الأثير في حوادث هذه السنة في أثناء الكلام على هذه الوقعة: سار صلاح الدين من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى سيف الدين فالتقى العسكران بتل السلطان وكان سيف الدين قد سبقه، فلما وصل صلاح الدين كان وصوله العصر وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة. فأشار على سيف الدين جماعة بقتالهم وهم على هذا الحال، فقال زلفندار: ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة، غدا بكرة نأخذهم كلهم، فترك القتال إلى الغد، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال فجعل زلفندار وهو المدبر للعسكر السيفي أعلامهم في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها، فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان قد انهزم فلم يثبتوا وانهزموا لم يلو أخ على أخيه ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد. ووصل سيف الدين إلى حلب فنزل وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في جمع من العسكر ولم يقم هو وعبر الفرات وسار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو. (ثم قال) : وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه الوقعة عشرين ألف فارس، ولم يكن كذلك إنما كان على التحقيق يزيدون على ستة آلاف فارس أقل من خمسمائة، فإنني وقفت على جريدة العرض وترتيب العساكر للمصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية وغير ذلك، وكان المتولي لذلك والكاتب له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم رحمه الله، وإنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا والحق أحق أن يتبع، ثم يا ليت شعري كم هي الموصل وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها وفيها عشرون ألف فارس اه.
أقول: وفي قوله إنه لم يقتل سوى رجل واحد نظر لما سيأتيك عن ابن أبي طي.
وقال في الروضتين: قال ابن أبي طي في وصف هذه الوقعة: إن ميسرة سيف الدين انكسرت فتحرك إلى جانبها ليكون ردأ لها ومددا، فظن باقي العسكر أنه قد انهزم
فانهزموا فحقق ما كان وهما، فسار على وجهه لا يلوي على شيء، وتبعهم السلطان فهلك منهم جماعة قتلا وغرقا وأسر جماعة كثيرة من وجوههم وأمرائهم، ثم رجع وأمر أصحابه برفع السيف على الناس وترك التعرض لمن وجد منهم بقتل أو نهب وفرق ما وجد في خزائن سيف الدين وسير جواريه وحظاياه إلى حلب وأرسل إليه بالأقفاص وقال له: عد إلى اللعب بهذه الطيور فإنها ألذ من مقاساة الحرب. ووجد السلطان عسكر الموصل كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والعيدان والجنوك والمغنين والمغنيات. قال: واشتهر أنه كان مع سيف الدين أكثر من مائة مغنية وأن السلطان أرى ذلك لعساكره واستعاذ من هذه البلية، وكان أنفذ الأمراء الذين أسرهم إلى حماة ثم ردهم وخلع عليهم وأرسلهم إلى حلب.