فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 2877

لا تحسب أن اختفاءك عني كان بحيث لا أدري أين أنت ولا أين مكانك، فأعلم أن أخبارك كانت تأتيني يوما يوما، وأنك كنت في قبور الماذرائيين بالقرافة منذ يوم كذا، وأنني اجتزت هناك واطلعت فرأيتك بعيني، وأنك لما خرجت هاربا عرفت خبرك، ولو أردت ردّك لفعلت، ولو علمت أنك قد بقي لك مال أو حال لما تركتك، ولم يكن ذنبك عندي

مما يبلغ أن أتلف معه نفسك، وإنما كان مقصودي أن أدعك تعيش خائفا فقيرا ممججا [1]

في البلاد، فلا تظن أنك هربت مني بمكيدة صحت لك عليّ، فاذهب إلي غير دعة الله.

قال: وتركني القاصد وعاد، فبقيت مبهوتا إلى أن وصلت إلى حلب. فحدثني الصاحب جمال الدين الأكرم أدام الله علّوه: لما ورد إلى حلب نزل في داري فأقام عندي مدة وذلك في سنة 604، وعرف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين خبره فأكرمه وأجرى عليه.

في كل يوم دينارا صوريا وثلاثة دنانير أخرى أجرة دار، فكان يصل إليه في كل ثلاثة أشهر ثلاثون دينارا غير بر وألطاف ما كان يخليه منها، وأقام عنده على قدم العطلة إلى سنة 606كما ذكرنا، ومات فدفن بظاهر حلب بمقام بقرب قبر أبي بكر الهروي. وله تصانيف كثيرة يقصد بها قصد التأدب وفي معرض وقائع تجري ويعرضها على الأكابر لم تكن مفيدة إفادة علمية، وإنما كانت شبيهة بتصانيف الثعالبي وأضرابه (سردها في المعجم جميعها وهي تزيد على عشرين مؤلفا) ثم قال:

وكان له نوادر حسنة حادة، منها ما حدثني به الصاحب القاضي الأكرم قال: ركبنا وخرجنا يوما نسير بظاهر حلب، فكان خروجنا من أحد أبوابها، ودرنا سور البلد جميعه ثم دخلنا من ذلك الباب فقال: اليوم تسييرنا تدليك، قلت: كيف؟ قال: من برّا برّا.

وكان السديد بن المنذر وهو رجل فقيه اتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعض الاتصال، فجعل لنفسه بذلك سوقا واستجلب بما يمتّ به من ذلك وإن كان باطلا رزقا، وكان أعور رديئا قليل الدين بغيضا، ولما أحدث الملك الظاهر غازي قناة الماء بحلب وأجراها في شوارعها ودور الناس فوض إلى ابن المنذر النظر في مصالحها ورزق على ذلك رزقا حسنا نحو ثلاثمائة درهم في الشهر، فسأل عنه الأمير فارس الدين ميمون القصري والأسعد بن مماتي حاضر، فقال له مسرعا: هو اليوم مستخدم على قناة، فأعجب بحسن هذه النادرة الحاضرين.

وقيل للأسعد يوما: أي شيء يشبه ابن المنذر؟ فقال: يشبه الزب، فاستبردوا ذلك وظنوا أنه إنما ذهب إلى عورة فقط، فقال: مالكم لا تسألونني كيف يشبهه؟ فقالوا:

(1) لعل الصواب: مهججا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت