ملكت قلبي قهرا ... وحزت أسري قسرا
أنت الشفا وحياتي ... لم أستطع عنك صبرا
يا مالكي وأميري ... حاشاي أعصيك أمرا
ارحم خضوعي ترفق ... الرفق والله أحرى
بحال صب كئيب ... دموع عينيه تترى
فإنما العز يمضي ... أين الملوك وكسرى
وأين من قال زورا ... أليس لي ملك مصرا
ومنهم السعيد ابن السعيد، والوحيد بن الوحيد، الشهم المقتعد مجده على النسر
الطائر، والخضم المستفيض رفده على النوء السائر، السيد الحاج مصطفى آغا كوجك علي آغا زاده، بلغه الله مناه وزاده، نديمي وسميري، لا بل عزيزي وأميري، من تراضعت معه ثدي المودة الصادقة، واجتنيت به ثمار الخلة الرائقة، وطوقني من مصافاته بعقود حالية، فأفصح لسان الثناء عن آثاره الباقية:
ولا غرو أن ألفى بدوحك صادحا ... بأطيب ألحان لأني المطوّق
طالما أبهج العلم طلعته الباهية، وأبلج الحلم محجته الزاهية، ونور الفقه له قلبا، وعمر الورع له لبا، وزان النحو لسانه، وشمل اللطف بيانه، وقوافيه مطبوعة على الذوق العفيف، ومحدثة عن مناقب الشاب الظريف، لو نشق الوردي نشر أوصافه لا تخذ عبيرها وردا، ولو جنى النباتي ثمر آدابه لحبل جنيها قندا، فمن زهيرياته التي تحرك الشوق الساكن، وتبرز الذوق الكامن، ما جادت به بديهته المطاوعة، وسمحته سجيته البارعة، قوله:
لقد سباني بدر ... في حسنه فاق بدرا
وصرت فيه أسيرا ... وحاز قلبي أسرا
أفديه ريما تجرّى ... على محبيه قهرا
كلّمته بخضوع ... فتاه عجبا وكبرا
فقلت كم ذا التجني ... أضرمت جسمي جمرا
فقال هذا مرامي ... من يرجني يفن صبرا
فزدت فيه غراما ... وزاد سكري سكرا
يا ذا العزيز تبصر ... قد زال إيوان كسرى
وباد من قال مينا ... أليس لي ملك مصرا
ومنهم السيد أبو بكر أفندي كوراني زاده، واحدنا وابن أوحدنا، وماجدنا وابن أمجدنا، كرم الوالد فزكا الولد، وهذا الشبل من ذاك الأسد.
نعم الآله على العباد كثيرة ... وأجلهن نجابة الأولاد
نشأ في خدمة والده، متعطلا عن سواه ومتحليا بفرائده، مقتبسا من أنواره ولألائه، ومستضيئا بمحاسنه وآرائه، مغذى بلبان الفصاحة والأدب، وطاعما من ثمار البراعة شهي الضرب. ثم تفقه عليه في الدين الحنيف، بمجلس الشرع الشريف، وكان والده سقى
الله مرقده المنور، وخلد ذكره الحسن المعطر، إمام العلماء بالنظر الثابت، على مذهب صدر الصدور النعمان بن ثابت، فنجب فرعه الطيب وساد، وتمرن بملازمة الأفاضل النقاد. اشتغل بعلم سيبويه فأربى على أقرانه، وتضلع بفقه الدين فكان غرة أهل زمانه.