فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 6682

اعلم أن الشعر وإن كان له فضيلة تخصه ومزية لا يشاركه فيها غيره من حيث تفرده باعتدال أقسامه وتوازن أجزائه وتساوي قوافي قصائده مما لا يوجد في غيره من سائر أنواع الكلام مع طول بقائه على ممر الدهور وتعاقب الأزمان وتداوله على ألسنة الرواة وأفواه النقلة لتمكن القوة الحافظة منه بارتباط أجزائه وتعلق بعضها ببعض مع شيوعه واستفاضته وسرعة انتشاره وبعد مسيره وما يؤثره من الرفعة والضعة باعتبار المدح والهجاء وإنشاده بمجالس الملوك الحافلة والمواكب الجامعة التقريظ وذكر المفاخر وتعديد المحاسن وما يحصل عليه الشاعر المجيد من الحباء الجسيم والمنح الفائق الذي يستحقه بحسن موقع كلامه من النفوس وما يحدثه فيها من الأريحية وقبوله لما يرد عليه من الألحان المطربة المؤثرة في النفوس اللطيفة والطباع الرقيقة وما اشتمل عليه من شواهد اللغة والنحو وغيرهما من العلوم الأدبية وما يجري مجراها وما يستدل به منها في تفسير القرآن الكريم وكلام من أوتي جوامع الكلم ومجامع الحكم وكونه ديوان العرب ومجتمع تمكنها والمحيط بتواريخ أيامها وذكر وقائعها وسائر أحوالها إلى غير ذلك من الفضائل الجمه والمفاخر الضخمة فإن النثر أرفع منه درجة وأعلى رتبة وأشرف مقاما وأحسن نظاما إذ الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشاعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير وقصر الممدود ومد المقصور وصرف ما لا ينصرف ومنع ما ينصرف من الصرف واستعمال الكلمة المرفوضة وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها وغير ذلك مما تلجىء إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه ويؤيد ذلك أنك إذا اعتبرت ما نقل من معاني النثر إلى النظم وجدته قد انحطت رتبته ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه قيمة كل امرىء ما يحسن أنه لما نقله الشاعر إلى قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت