فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 6682

بهي الملبس وبالجملة ففصاحة اللسان وقوة البيان والتقدم في صناعة الكتابة هو الذي يرفع الرجل ويعظمه دون أثوابه البهية وهيئته الزاهية بل ربما كان التعظيم في الفضل لرث الحالة المنحط الجانب أكثر وترجيحه على غيره أقرب

وقد قال سهل بن هرون كاتب المأمون وهو من أئمة هذه الصناعة لو أن رجلين خطبا أو تحدثا أو احتجا أو وصفا وكان أحدهما جميلا بهيا ولباسا نبيلا وذا حسب شريف وكان الآخر قليلا قميئا وباذ الهيئة دميما وخامل الذكر مجهولا ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة وفي درب واحد من الصواب لتصدع عنهما الجمع وعامتهم يقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم وللباذ الهيئة على ذي الهيئة ويشغلهم التعجب منه عن مناوأة صاحبه ولصار التعجب على مساواته له سببا للتعجب به والإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه لأن النفوس كانت له أحقر ومن بيانه أيأس ومن حسده أبعد فلما ظهر منه خلاف ما قدروه وتضاعف حسن كلامه في صدورهم كبر في عيونهم لأن الشيء من غير معدنه اغرب وكلما كان أبعد في الوهم كان أظرف وكلما كان أظرف كان أعجب وكلما كان أعجب كان أبدع وإنما ذلك كنوادر الصبيان وملح المجانين فإن استغراب السامعين لذلك أعجب وتعجبهم منه أكثر قال والناس موكلون بتعظيم الغريب واستظراف البديع وليس لهم في الموجود الراهن ولا فيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي معهم في الغريب القليل وفي النادر الشاذ وعلى هذا السبيل يستظرفون القادم إليهم ويرحلون إلى النازح عنهم ويتركون من هو أعم نفعا وأكثر وجوه في وجوه العلم تصرفا وأخف مؤونة وأكثر فائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت