فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 6682

تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشئه وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني وتوخي صواب المعاني أحسن من توخي هذه الأمور في الألفاظ فلهذا يتأنق الكاتب في الرسالة والخطيب في الخطبة والشاعر في القصيدة ويبالغون في تجويدها ويغلون في ترتيبها ليدلوا على براعتهم وحذقهم بصناعتهم ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدا كثيرا وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا وأيضا فإن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا وسلسا سهلا ومعناه وسطا دخل في جملة الجيد وجرى مع الرائع النادر كقول الشاعر

( ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح )

( وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح )

( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح )

وليس تحت هذه الألفاظ كثير معنى وهي رائقة معجبة وإنما هي ولما قضينا الحج ومسحنا بالأركان وشدت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا فاترا كان مستهجنا ملفوظا ومذموما مردودا كقول أبي العتاهية في أبي عثمان سعيد بن وهب

( مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب )

( يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت