فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 6682

حاكيا له

ولمثل ذلك توضع الدساتر وتدون الدواوين على أنه ربما غير وبدل وحرف وصحف وأزال اللفظ عن وضعه وأحال المعنى عن حكمه وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته فعدل إلى كلام غيره فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات ورتب بعضها على بعض حتى تقوم بمقصوده وينتهي إلى مراده

فإن كان لطيف الذوق حسن الاختيار رائق الترتيب فاختار من خلال السجع لطيفه وأحسن رصفه وتأليفه جاء بهجا رائقا لأنه أتى من كلام بأحسنه إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر وتفريق ما دون من كلام الأفاضل وتبديد شمله وخروج الكلام عن أن يعرف قائله ويعلم منشئه فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه وينسج على منواله

وإن لم يكن لطيف الذوق ولا حسن الاختيار جاء مالفقه من كلام غيره رثا ركيكا نابيا عن الذوق بعيدا عن الصنعة يعاد من النسخ إلى المسخ وأخرج الكلام عن موضوعه وأفسده في وضعه وتركيبه فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته محتجا في ذلك بقول الحريري إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق ظانا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة وفقرات مؤلفة بعضها إلى بعض ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتان ما بين التلفيقين وبعدا لما بين الطريقين

( وللزنبور والبازي جميعا ... لدى الطيران أجنحة وخفق )

( ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق )

وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا فما ظنك بمن يأخذ الكلام برمته واللفظ بصورته فيصير ناسخا لكلام غيره وناقلا له فأي فضيلة في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت