فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 6682

حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالا واستكراها فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والعين وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ولا بين اللام والراء ولا بين الزاي والسين وذلك دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب وكيف كان الواضع يخل بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة وقد اعتنى بأمور جزئية دون ذلك كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق كالغليان والضربان والنقزان والنزوان وغير ذلك مما يجري هذا المجرى فإن جميع حروفه متحركات ليس فيها حرف ساكن وهي مماثلة لحركات الفعل في والوجود

ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخل بالأصل المعول عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض

على أنه لو أراد الناظم أو الناثر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ أهي متباعدة أو متقاربة لطال الخطب في ذلك وعسر ولما كان الشاعر ينظم قصيدا ولا الكاتب ينشيء كتابا إلا في مدة طويلة والأمر بخلاف ذلك فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام في تحسين لفظ وتقبيح آخر على أنه قد يجيء من المتقارب المخارج ما هو حسن رائق ألا ترى أن الحروف الشجرية وهي الجيم والشين والياء متقاربة المخارج لأنها تخرج من وسط اللسان بينه وبين الحنك وإذا ترتب منها لفظ جاء حسنا رائقا فإن لفظة جيش قد اجتمع فيها الحروف الشجرية الثلاثة وهي مع تقارب مخارجها حسنة رائقة وكذلك الحروف الشفهية وهي الباء والميم والفاء متقاربة المخارج فإن مخرج جميعها من الشفة وإذا ترتب منها لفظ جاء سلسا غير متنافر كقولك أكلت بفمي وهو في غاية الحسن والحروف الثلاثة الشفهية مع تقارب مخارجها مجتمعة فيها وقد يجيء من المتباعد المخارج ما هو قبيح متنافر كقولك ملع بمعنى عدا فإن الميم من الشفة والعين من حروف الحلق واللام من وسط اللسان فهذه الحروف كلها متباعدة من بعضها ومع ذلك فإنها كريهة الاستعمال ينبو عنها الذوق السليم ولو كان التباعد سببا للحسن لما كان سببا للقبح على أنه لو عكست

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت