فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 6682

قال أبو هلال العسكري وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين واسترذال ما يشكل منه ويستبهم وقد كان عمر رضي الله عنه يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام

قال في المثل السائر والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده لأن مثله لا يجيء إلا متكلفا مقصودا وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما

الضرب الثاني من التعقيد ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد بخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود لإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود كقول العباس بن الأحنف

( سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا )

يريد إني أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا مني وتسكب عيناي الدموع لتجمد وتكف الدمع بحصول التلاقي والمعنى أني طبت نفسا بالبعد والفراق ووطنت نفسي على مقاساة الأحزان والأشواق وأتجرع الغصص وأحتمل لأجلها حزنا يفيض الدموع من عيني لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة لا تزول فتجمد عيني ويرقأ دمعي فإن الصبر مفتاح الفرج فكنى بسكب الدموع عن الكآبة والحزن وهو ظاهر المعنى لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه يقال أبكاني الدهر وأضحكني بمعنى ساءني وسرني وكنى بجمود العين عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور فإن المتبادر إلى الذهن من جمود العين بخلها بالدمع عند إرادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت