فهرس الكتاب

الصفحة 6469 من 6682

شيء فقد سبق إلى تقديمه ناس وأبطأ آخرون وليس بعجب أن يفوق الرجل أترابه في الزهد وأكفاءه في الفقه وأمثاله في الذب وهذا يوجد في كل زمان ويصاب في كل البلدان ولكن العجب العجيب والنادر الغريب الذي تهيأ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه واتسق له وذلك أنه غير عشر حجج يفتح الفتوح ويدوخ البلاد ويمصر الأمصار ويدون الدواوين ويفرض الفروض ويرتب الخاصة ويدبر العامة ويجبي الفيء وترمي إليه الأرض بأفلاذ كبدها وأنواع زخرفها وأصناف كنوزها ومكنون جوهرها ويقتل ملوكها ويلي ممالكها ويحل ويعقد ويولي ويعزل ويضع ويرفع وبلغت خيله إفريقية ودخلت خراسان كل ذلك بالتدبير الصحيح والضبط والإتقان والقوة والإشراف والبصر النافذ والعزم المتمكن ثم قال لا يجمع مصلحة الأمة ولا يحوشهم على حظهم من الألفة واجتماع الكلمة وإقامتهم على المحجة مع ضبط الأطراف وأمن البيضة إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف

ثم غبر بعد ذلك سنيه كلها على وتيرة واحدة وطريقة مطردة لا ينجرف عنها ولا يغيرها ولا يسأمها ولا يزول عنها من خشونة المأكل والملبس وغلظ المركب وظلف النفس عن صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليلها وكل ما يناجز الناس عليه لم يتغير في لقاء ولا في حجاب ولا في معاملة ولا في مجالسة ولا في جمع ولا في منع ولا قبض ولا بسط والدنيا تنصب عليه صبا وتتدفق عليه تدفقا والخصلة من خصاله والخلة من خلاله تدعو إلى الرغبة وتفتح باب الألفة وتنقض المبرم وتفيد المروءة وتفسح المنة وتحل العقدة وتورث الاغترار بطول السلامة والاتكال على دوام الظفر ومواتاة الأيام ومتابعة الزمان

وكان ثباته عشر حجج على هذه الحال أعجوبة ومن البدائع الغريبة

وبأقل من هذا يظهر العجب ويستعمل الكبر ويظهر الجفاء ويقل التواضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت