وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهْدِي لِصَدَائِقِ خَدِيجَةَ بِرًّا بِهَا وَوَفَاءً لَهَا (1) ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْوَالِدَيْنِ.
9 -وَضَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ لِذَلِكَ قَاعِدَةً حَاصِلُهَا: أَنَّ كُل سَفَرٍ لاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْهَلاَكُ، وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ، فَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لأَِنَّهُمَا يُشْفِقَانِ عَلَى وَلَدِهِمَا، فَيَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ. وَكُل سَفَرٍ لاَ يَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ يَحِل لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، إِذَا لَمْ يُضَيِّعْهُمَا؛ لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ.
وَبِذَا لاَ يَلْزَمُهُ إِذْنُهُمَا لِلسَّفَرِ لِلتَّعَلُّمِ، إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعَ؛ لأَِنَّهُمَا لاَ يَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ، بَل يَنْتَفِعَانِ بِهِ، فَلاَ تَلْحَقُهُ سِمَةُ الْعُقُوقِ. أَمَّا إِذَا كَانَ السَّفَرُ لِلتِّجَارَةِ، وَكَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ عَنْ خِدْمَةِ ابْنِهِمَا، وَيُؤْمَنُ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا. أَمَّا إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَيْهِ وَإِلَى خِدْمَتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسَافِرُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا. (2)
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 241 (المسألة العاشرة) ، إحياء علوم الدين 6 / 316، والفواكه الدواني 2 / 383، وحديث:"كان يهدي لصدائق خديجة. . ."أخرجه البخاري (الفتح 9 / 133 ـ ط السلفية) .
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7 / 98، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 3 / 242، وابن عابدين 3 / 220.