وَنَقَل الْقَاضِي عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُفْلِسَ إِذَا أَقَرَّ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ الَّذِي بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ، فَوَجَبَ أَلاَّ يُشَارِكَ الْمُقَرُّ لَهُ مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ، كَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا قَال النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. (1)
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ، فَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْل الْحَجْرِ، فَالأَْظْهَرُ قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ الظَّاهِرَةِ، وَقِيل: لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، لِئَلاَّ يَضُرَّهُمْ بِالْمُزَاحَمَةِ، وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا وَاطَأَ الْمُقَرَّ لَهُ.
وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ لَمْ يُقْبَل فِي حَقِّهِمْ، بَل يُطَالَبُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ. وَلَوْ لَمْ يُسْنِدْ وُجُوبَهُ إِلَى مَا قَبْل الْحَجْرِ وَلاَ لِمَا بَعْدَهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ - عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ - تَنْزِيلُهُ عَلَى الأَْقَل، وَهُوَ جَعْلُهُ كَالْمُسْنَدِ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ. (2)
24 -وَمِمَّنْ يُتَّهَمُ فِي إِقْرَارِهِ: الْمَرِيضُ مَرَضَ مَوْتٍ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَرَضِ الْمَوْتِ) وَإِنْ كَانَ الأَْصْل أَنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الإِْقْرَارِ فِي الْجُمْلَةِ. (3)
إِذِ الصِّحَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ، لأَِنَّ صِحَّةَ إِقْرَارِ الصَّحِيحِ بِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ، وَحَال الْمَرِيضِ أَدَل عَلَى الصِّدْقِ، فَكَانَ إِقْرَارُهُ أَوْلَى
(1) المغني 5 / 213 ط الرياض.
(2) نهاية المحتاج 4 / 307، والمهذب 2 / 345.
(3) البدائع 7 / 223.