مَعَ احْتِمَال دُخُولِهِ الإِْسْلاَمَ عَنْ طَرِيقِ مُخَالَطَتِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَوُقُوفِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ. فَكَانَ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ، لاَ لِلرَّغْبَةِ أَوِ الطَّمَعِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ (1) .
وَيَنْعَقِدُ هَذَا الْعَقْدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلاَ تُشْتَرَطُ كِتَابَتُهُ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، وَمَعَ هَذَا فَكِتَابَةُ الْعَقْدِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ لأَِجْل الإِْثْبَاتِ، وَدَفْعًا لِمَضَرَّةِ الإِْنْكَارِ وَالْجُحُودِ (2) .
7 -جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ يَتَوَلَّى إِبْرَامَهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَلاَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِْمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ بِهِ عَلَى الإِْمَامِ (3) .
وَأَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ لِكُل مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهُ مُقَابِل الْجِزْيَةِ، فَتَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ؛ وَلأَِنَّهُ مَفْرُوضٌ عِنْدَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وَفِي انْعِقَادِهِ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ عَنِ الإِْمَامِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ لِكُل مُسْلِمٍ (4) .
(1) البدائع 7 / 111، وابن عابدين 3 / 275، وكشاف القناع 3 / 116، والخرشي 3 / 143، والحطاب 3 / 281، ومغني المحتاج 4 / 242.
(2) مغني المحتاج 4 / 243، والمغني 8 / 534، وتاريخ الطبري 5 / 228، والأموال لأبي عبيد 87، والمهذب 2 / 254، والأحكام السلطانية للماوردي 145، والبدائع 7 / 110.
(3) الخرشي 3 / 143، والقليوبي 4 / 228، ومغني المحتاج 4 / 243، والمغني لابن قدامة 8 / 505، وكشاف القناع 3 / 116.
(4) فتح القدير والعناية على الهداية 5 / 213، 214.