قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، لِمُوَافَقَتِهِ الأُْصُول الْعَامَّةَ، وَلأَِنَّ الذِّمَّةَ بَاقِيَةٌ وَحَقُّهُ فِيهَا (1) .
27 -اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالرُّجُوعِ فِيمَا قَبَضَهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ
أ - فَقَدْ عَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل بِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ بِالْفَسْخِ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ كَالْقَرْضِ وَالسَّلَمِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا، كَالْهِبَةِ، وَالنِّكَاحِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْخُلْعِ.
وَصَنِيعُ الْحَنَابِلَةِ يُوحِي بِأَنَّ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَرَهُمْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ، لَكِنَّ تَمْثِيلَهُمْ لِمَا يُرْجَعُ فِيهِ بِعَيْنِ الْقَرْضِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ يَدُل عَلَى ذَلِكَ.
ب - وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الرُّجُوعَ لِلْوَارِثِ، وَمَنْ ذَهَبَ لَهُ الثَّمَنُ، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ أُحِيل بِهِ.
وَأَبَوْا الرُّجُوعَ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَعِصْمَةٍ، فَلَوْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى مَالٍ، ثُمَّ فَلَّسَتْ قَبْل أَدَاءِ الْبَدَل، لَمْ يَكُنْ لِمُخَالِعِهَا الرُّجُوعُ بِالْعِصْمَةِ لأَِنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِبَدَل الْخُلْعِ، وَكَمَا لَوْ فَلَّسَ الْجَانِي بَعْدَ الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ لَمْ يَكُنْ لأَِوْلِيَاءِ الْقَتِيل الرُّجُوعُ إِلَى الْقِصَاصِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ شَرْعًا بَعْدَ الْعَفْوِ، بَل يُحَاصُّونَ الْغُرَمَاءَ بِعِوَضِ الصُّلْحِ (2) .
(1) بداية المجتهد 2 / 288 وفتح القدير 8 / 210.
(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 283، والزرقاني 5 / 282، وكشاف القناع 3 / 425، ومطالب أولي النهى 3 / 378، ونهاية المحتاج 4 / 326، والقليوبي 2 / 293.