وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ خَاصَّةً (1) . الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ الرُّجُوعَ لاَ يُقْبَل إِلاَّ بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ - لاَ مُطْلَقًا - وَمِثَال مَا يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ أَنْ يَقُول وَطِئْتُ زَوْجَتِي أَوْ أَمَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ زِنًى (2) .
23 -قَال ابْنُ قُدَامَةَ: حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ اللَّهِ الَّتِي لاَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ لاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْ إِقْرَارِهِ بِهَا. لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (3) .
حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا ثَبَتَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَسَقَطَ الْقَطْعُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ. غَيْرَ أَنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَرَضَتْ مِنَ احْتِمَال أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي رُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ، دَعَتْ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ الْقَاضِيَ، إِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي إِقْرَارٍ، لاَ يَقْضِي عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِحْلاَفِ خَصْمِهِ أَنَّ الإِْقْرَارَ لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأَقْبَضَ الْهِبَةَ، أَوْ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَبِيعَ، أَوْ آجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَسَأَل إِحْلاَفَ خَصْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لإِِقْرَارِهِ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَقَال: حَلِّفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ. فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَال: وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يُسْتَحْلَفُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛
(1) حاشية شرح المنهاج 4 / 196، ونهاية المحتاج 7 / 441.
(2) الزرقاني 8 / 81.
(3) المغني لابن قدامة 5 / 151 ط ثالثة.