الاِنْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِتْلاَفِ الْعَيْنِ أَوْ بِبَقَائِهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِمَّا أَنْ يَنْتَفِعَ الشَّخْصُ مِنَ الْعَيْنِ بِالاِسْتِعْمَال أَوْ بِالاِسْتِغْلاَل. فَالْحَالاَتُ ثَلاَثٌ:
(الْحَالَةُ الأُْولَى) الاِسْتِعْمَال:
22 -يَحْصُل الاِنْتِفَاعُ غَالِبًا بِاسْتِعْمَال الشَّيْءِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَنْتَفِعُ بِالْمُسْتَعَارِ بِاسْتِعْمَالِهِ وَالاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاسْتِغْلاَلِهِ (تَحْصِيل غَلَّتِهِ) أَوِ اسْتِهْلاَكِهِ؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْعَارِيَّةِ إِمْكَانَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا. وَالْمُسْتَعِيرُ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَغِلَّهَا وَيَمْلِكَهَا غَيْرُهُ بِعِوَضٍ. (1)
هَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ بِالاِسْتِعَارَةِ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا خِلاَل مُدَّةِ الإِْعَارَةِ. (2)
وَكَذَلِكَ الإِْجَارَةُ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَعْمِل أَوْ إِذَا اشْتَرَطَ الْمَالِكُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الاِنْتِفَاعَ بِنَفْسِهِ. فَالاِنْتِفَاعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَاصِرٌ عَلَى شَخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ الْمَأْجُورَ أَوْ يَسْتَغِلَّهُ بِإِجَارَتِهِ لِلْغَيْرِ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ يَقْتَضِي الاِنْتِفَاعَ بِالْمَأْجُورِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ. وَلَيْسَ لَهُ إِيجَارُهَا فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَعْمِل. (3)
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) الاِسْتِغْلاَل:
23 -قَدْ يَحْصُل الاِنْتِفَاعُ بِاسْتِغْلاَل الشَّيْءِ وَأَخْذِ
(1) الزيلعي 5 / 88، ونهاية المحتاج 5 / 118، والمغني 5 / 359.
(2) الدسوقي 3 / 433 - 434.
(3) البدائع 4 / 175، وابن عابدين 5 / 18، ونهاية المحتاج 5 / 284، والمغني 6 / 13.