ومما يدخل في هذه الصورة من صور الخداع والتلبيس، ما يستخدمه منافقو زماننا من تحريفٍ لنصوص الشريعة، وتأويلات باطلة لها، في تسويغ فسادهم ومواقفهم الجائرة؛ فهم مع جهلهم بأحوال الشريعة، نراهم يخوضون فيها بلا علم إلا ما أشربوا من أهوائهم؛ فنراهم يسوِّغون الترخص بل التحلل من الشريعة بقواعد التيسير ورفع الحرج، وتغير الفتوى بتغير الحال والزمان، إلى آخر هذه القواعد التي هي حق في ذاتها، لكنهم خاضوا فيها بجهلٍ وهوى، فاستخدموها في غير محلها، فهي حقٌ أريد بها باطل، ومع جهلهم بالشريعة وظهور القرائن التي تدل على خبث طويتهم، إلاَّ أنَّ هناك من ينخدعُ بهذه الشبه والتحريفات الباطلة؛ ومن عجيب أمر القوم!! أنهم يرفضون الحكم بما أنزل الله- عز وجل - والتحاكم إليه، ولا يذعنون له، ومع ذلك نراهم في أحيانٍ قليلة يرجعون إلى بعض الأدلة الشرعية، ليمرروا ويبرروا من خلالها بعض فسادهم أو مواقفهم الباطلة؛ فما حاجتهم إلى الشرع في هذه المرة وهم كانوا يكفرون به من قبل؟ إنه الهوى والخداع والتلبيس على الناس، قال تعالى في فضحِ هذا الصنف من الناس: (( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (النور: 48 ـ 50) .