فهرس الكتاب

الصفحة 3272 من 4219

وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببا لرقة قلبك) (1) .

وأن له أن يستريح، وأن يسيح، خافقا بجناحيه مع الريح، لأنه في كلاءة الله تعالى ولطفه، تلحظه عين الرعاية أينما انقلب، فترد عنه العدو وصور الشر، فتكون له جرأة على الاقتحام في مواطن يتلكأ عنها الغافلون المحرومون من تحسس تلك الكلاءة، ويقدم على التحدي وهو رابط الجأش، بفؤاد متين، ثم يحس في انعطافة مباشرة معنى الرقابة الربانية أيضا، وأنه محاصر بها أينما ذهبت به حيل التفلت، فيدرك عجزه عن الاختباء في زاوية أو في قعر كهف أو بين جدران، فهو مفضوح مكشوف أينما ذهب، وليس له إلا أن يذعن ويستسلم ويضع نفسه في تيار التعبد الدائب، وهكذا يظل المؤمن الموقن بأن (عين الله لم تنم) متقلبا بين هذين الإحساسين الإيجابيين، فهو رافل بسكينة اللطف من جانب، متدرع، من جانب آخر، بطمأنينة إبراء الذمة فيما يظن، بعد أن قدم من العمل شيئا ولاذ بركن الرجاء، طامعا ببر رب هو عند حسن ظن عبده به.

وإني لأعجب من دعاة الإسلام الذين أراهم اليوم، كيف يجرؤ أحدهم على إطالة العنق في المجالس، والنشر في الصحف، قبل أن يجمع شيئا من البيان جمعه الطبري في تأويل آي القرآن، وقبل أن يرفع له راية مع ابن حجر في فتحه، ولم ينل بعد من رفق أم الشافعي وحنانها، ولا كان له انبساط مع السرخسي في مبسوطه، أو موافقة للشاطبي في موافقاته؟

وكيف يقنع الداعية وهو لم يقرأ بعد المهم من كتب ابن تيمية، وابن القيم، والغزالي، وابن حزم؟

وكيف يسرع داعية إلى ذلك وهو لم يكثر من مطالعة كتب الأدب العربي القديم، ولم يعكف مع الجاحظ وأبي حيان، أو ابن قتيبة وأديبي أصبهان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت