يفضحنا العجب بالنفس. والمعجب مفضوح ولا شك بفضيحتين: بفضيحة الزلل والسقوط أرضًا، إذ ما زال القدماء يقولون عن فلان: (إن العجب أخذ برجله فزل) ، كمن يهمل النظر في السوق إلى موضع قدمه، فيزلق بقشر أو يعثر بحجر، فمن راث لحاله وشامت، ويقوم متهمًا، تأتيه النصائح من كل جانب، وما هو بحاجة إليها بعد ارتجاج عظامه. أو يغالي: يطلب لنفسه السعر العالي، فيفضحه الشافعي، وينادي في السوق: (من سامي بنفسه فوق ما يساوي: رده الله تعالى إلى قيمته) .وسبب العجب أن المعتقد له يستصغر ما علم من ذنوبه، وينسى كثيرًا منها. فبشر بن الحارث الحافي يعرف العجب بأنه: (أن تستكثر عملك، وتستقل عمل غيرك) .وهذا الجانب من الاعتداء والازدراء هو الجانب الأظهر في العجب حين فحصه سفيان الثوري، حتى كأنه قصر تعريف العجب فيه، فحذرك (إعجابك بنفسك حتى يخيل إليك أنك أفضل من أخ لك، وعسى أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب، ولعله أن يكون هو أورع منك عما حرم الله، وأزكي منك عملا) .وكأن الفضيل بن عياض رآه رؤية الثوري، فجعله مستقلا عن جانب الاستكثار الذي ذكره بشر، ومستقلا عن نسيان الذنب، فقال: (إذا ظفر إبليس من آدم بإحدى خصال قال: لا أطلب غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه) .وهذا يعني أن هذه الثلاث، الجامعة لأوصاف العجب حين رآه الصالحون من زواياه المختلفة، هي رأس السوء عند الفضيل، بحيث أن إبليس يضمن بعدها كل عيب يحبه. أي أن العجب أصل كل بلاء وفتنة عنده. يجدد بذلك ما نقل له عن عيسى عليه السلام لما قال: (كم من سراج قد اطفأته الريح، وكم من عبادة قد أفسدها العجب) .
فالعمل الصالح ضياء ونور، يتحول إلى ظلام إذا هبت ريح العجب عليه، هكذا بهبة واحدة.