فهرس الكتاب

الصفحة 3269 من 4219

فليس الاتصال بالناس ونشر الدعوة بينهم هو المقياس الوحيد لجدية الداعية، بل يمكن أن يكون موهوبا في الفقه، فانسب له الفتور في التفقه إن عطل ذكاءه وموهبته، ويمكن أن يكون موهوبا في الأدب، ولك أن تفتش عن أسباب قلة كتابته وانسداد قريحته، وقد يكون ماهرا في التحليل السياسي، فتستغرب أن لا يكتب التقارير أو المقالات، أما أن تريد من الشاعر دق أبواب الناس، ومن السياسي التشمير مع الناشئة ورحلاتهم وتجوالهم، فقد أرهقت نفسك مثلما أرهقتهم.

الآن، بكل هذه الموازين حاكم هؤلاء أشباه الملائكة الأخيار إذا فترت هممهم أو قلت حركتهم، وستجد من جميل أخبارهم ما يثنيك عن التهمة والملامة.

إن الملامة في محيط الدعوة لا تحرك متكاسلا، ولا تشفي مريضا، وأنه لا بد من التحول إلى التفتيش عن الأسباب الخفية ومعرفة الثغرة التي ولج منها الألم فأقعد، أو تسللت منها اللذة فأذهلت.

فمنهم من تجده حسن التوجه ويفهم الدعوة، لكن قلبه ما زالت تعكره بقية من حسد يشغله عن العمل الصالح إذا ربح قرين له ربحا تجاريا أو نال مركزا مرموقا. ومنهم من يعشق الرئاسة والصدارة، فيظل ساخطا إذ أبعد عنها، فيصرفه سخطه عن التصدي لإرشاد الناس، وكل خلق آخر مذموم يمكن أن يؤدي إلى شكل من أشكال الحياة السلبية، وهؤلاء الرهط تنفع معهم الموعظة، فتكون بالإيماء، وإلا فبالصراحة وإلا فبالخشونة والتقريع، ولن ينفك مخلص عن اتعاظ إذا كان معدنه صافيا ولم يزد ذهوله عن أن يكون غفلة اعترت، وذو الشوائب يبتئس ويتعالى على النصيحة، فينتكس، وليس الصف عليه بحريص.

والبركة فيمن ثبت وتواضع وانشرح قلبه لوجود ناصح له، وأخطأت قليلا، وسلوتنا أن السيرة المطهرة لم تبرأ من ظاهرة المخلفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت